الشيخ محمد النهاوندي
340
نفحات الرحمن في تفسير القرآن
وَما أُوتِيَ من قبل اللّه مُوسى بن عمران من التّوراة وَعِيسى بن مريم من الإنجيل وَما أُوتِيَ النَّبِيُّونَ من الصّحف والمعجزات حال كون جميعها منزلا مِنْ رَبِّهِمْ ونحن لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ بالإيمان بالبعض والكفر بالبعض ، كما أنتم تفرّقون بينهم بالإيمان والتّكذيب ، مع أنّهم سواء في الحجج والآيات الدالّة على صدقهم لو أنتم تقولون : إنّهم متفرّقون في أصول الدّيانات ، ونحن نقول : إنّهم مجتمعون على أصول الإسلام . وَنَحْنُ باللّه مؤمنون ، و لَهُ مُسْلِمُونَ منقادون ، نتّبع ما أمرنا ربّنا ، ولا نتّبع هوى أنفسنا ، فكلّ من ظهرت دلائل صدقه في دعوى النبوّة نصدّقه ونؤمن به ، فلذا نؤمن بمحمّد صلّى اللّه عليه وآله حيث أظهر المعجزات وأقام الدلائل على صدقه كسائر الأنبياء . [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 137 ] فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ ما آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما هُمْ فِي شِقاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ( 137 ) ثمّ أنّه تعالى لمّا بيّن حقيقة الهدى التي تحكم العقول السّليمة بها ، وهو الإيمان بجميع الكتب السّماويّة وسائر الأنبياء الذين أتوا بالمعجزات الباهرات ، عارض قولهم : كُونُوا هُوداً أَوْ نَصارى تَهْتَدُوا « 1 » بقوله : فَإِنْ آمَنُوا اليهود والنّصارى وسائر الكفّار بِمِثْلِ ما آمَنْتُمْ بِهِ من دين الإسلام وما يشابهه في الصّحة والاستقامة والسّداد ، وأنّى لهم بتحصيل مثل هذا الدّين القويم ! وقيل : معنى مثل ما آمَنْتُمْ ، هو ما آمنتم . فَقَدِ اهْتَدَوْا إلى طريق الفلاح والنّجاح ، وإن لم يتمكّنوا من تحصيل دين مثله ، فلا بدّ لهم من الإيمان به والانقياد له . وَإِنْ تَوَلَّوْا وأعرضوا عن هذا الدّين ، فأعرض عنهم فَإِنَّما هُمْ ثابتون مستقرّون فِي شِقاقٍ وعناد وكفر ومشاقّة مع اللّه ورسوله . ثمّ لمّا كان الشّقاق ممّا يؤدي إلى الجدال والقتال لا محالة ، أردف ذلك بتسلية الرسول صلّى اللّه عليه وآله وتقوية قلوب المؤمنين بوعد النّصر والغلبة بقوله : فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ ويدفعهم عنك . قيل : معنى السّين أنّ ذلك كائن لا محالة ، وإن تاخّر إلى حين « 2 » . وفيه دلالة على صحّة النبوّة لإنجاز
--> ( 1 ) . البقرة : 2 / 135 . ( 2 ) . جوامع الجامع : 27 .