الشيخ محمد النهاوندي
316
نفحات الرحمن في تفسير القرآن
من دخول الحرم أو المسجد الحرام صارفا للمؤمن عن الصّلاة والاشتغال بذكر اللّه بقوله : وَلِلَّهِ بالملكيّة الإيحاديّة الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ وجميع الجهات ، لا تختصّ به جهة ومكان فَأَيْنَما تُوَلُّوا في أيّ مكان ، وتتوجّهوا بقلوبكم ، وتستقبلوا بوجوهكم إلى اللّه بالدّعاء والصّلاة النّوافل فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ وذاته المقدّسة ، إذ لا يخلو منه مكان . أو المراد : فثمّ مرضاته ، حيث إِنَّ اللَّهَ واسِعٌ ذاتا وقدرة وفضلا ورحمة على عباده ، يبيّن لهم ما فيه صلاحهم كي يصلوا إلى رضوانه عَلِيمٌ بحقائق الأمور وما يصدر عن العباد من القيام بوظائف العبوديّة والتّفريط فيها . في بيان معنى وجه اللّه عن ( التّوحيد ) عن سلمان الفارسيّ ، في حديث الجاثليق الذي سأل أمير المؤمنين عليه السّلام عن مسائل فأجابه عنها ، أنّ فيما سأله أن قال : أخبرني عن وجه الرّبّ تبارك وتعالى ؟ فدعا عليّ عليه السّلام بنار وحطب فأضرمه ، فلمّا اشتعلت ، قال [ علي عليه السّلام ] : « أين وجه هذه النّار » ؟ قال النّصرانيّ : هي وجه من جميع حدودها . قال عليّ عليه السّلام : « هذه النّار مدبّرة مصنوعة لا يعرف وجهها ، وخالقها لا يشبهها وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ لا يخفى على ربّنا خافية » « 1 » . عن القمي رحمه اللّه : أنّها نزلت في صلاة النّافلة ، تصلّيها حيث توجّهت إذا كنت في السّفر ، وأمّا الفرائض فقوله تعالى : وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ « 2 » يعني الفرائض لا تصلّيها إلّا إلى القبلة « 3 » . عن ( الفقيه ) عن الصادق عليه السّلام أنّه سئل عن الرجل يقوم في الصّلاة ثمّ ينظر بعد ما فرغ ، فيرى أنّه قد انحرف عن القبلة يمينا أو شمالا ؟ فقال : « قد مضت صلاته ، وما بين المشرق والمغرب قبلة ، ونزلت هذه الآية في قبلة المتحيّر وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ » الخبر « 4 » . في وجه رفع اليد والنظر إلى السماء عند الدعاء قيل : لمّا نزل وَقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ « 5 » قالوا : أين ندعوه ؟ فأنزل اللّه : وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ . . الآية « 6 » . إن قيل : فما معنى رفع اليد والنظر إلى السّماء عند الدّعاء مع أنّ اللّه منزّه عن الجهة ؟
--> ( 1 ) . التوحيد : 182 / 16 . ( 2 ) . البقرة : 2 / 144 . ( 3 ) . تفسير القمي 1 : 59 . ( 4 ) . من لا يحضره الفقيه 1 : 179 / 846 . ( 5 ) . غافر : 40 / 60 . ( 6 ) . تفسير روح البيان 1 : 211 .