الشيخ محمد النهاوندي

317

نفحات الرحمن في تفسير القرآن

قلنا : ليس رفع اليد لأنّ اللّه في جهة العلوّ ، بل لأنّ في السّماء خزائن رحمته ، والعرش مظهر استواء صفة رحمانيّته . [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 116 ] وَقالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً سُبْحانَهُ بَلْ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ ( 116 ) ثمّ أنّه بعد ما حكى اللّه تعالى تنازع كلّ فريق من اليهود والنّصارى ومشركي العرب في الحقّ والدّين ووعد الحكومة بينهم في القيامة ، حكم على بطلان دعوى جميعهم في الدنيا لقول كلّ طائفة ، بما يحكم على خلافه بديهة العقل بقوله : وَقالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً إذ قالت اليهود : عزير ابن اللّه ، وقالت النّصارى : المسيح ابن اللّه ، وقالت مشركو العرب : الملائكة بنات اللّه . ثمّ ردّ عليهم بقوله : سُبْحانَهُ إنّه منزّه عن التجسّم والماهيّة والسّنخيّة « 1 » مع خلقه بَلْ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ كلّه ملكه وتحت قدرته . كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ منقادون مقرّون بعبوديّته طبعا وجبلّة ، لا يجانسونه ولا يسانخونه . والحال أنّه لا بدّ من السّنخيّة بين الوالد والولد ، ولمّا كان القنوت في أصل اللّغة بمعنى الدّوام ، كان فيه إشعار بأنّ جميع ما في السماوات والأرض بقاؤه به سبحانه لا تنقطع حاجته عنه ، والتعبير بلفظ ما فِي السَّماواتِ مع أنّ كثيرا منها عقلاء للتّحقير بشأنها . [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 117 ] بَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَإِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ( 117 ) ثمّ أنّه بعد بيان أنّ كلّ ما في السّماوات والأرض ملكه ومخلوقه ، بيّن أنّه أيضا بَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ومنشئهما من غير مثال . عن الباقر عليه السّلام في تفسير البديع : « ابتدع الأشياء كلّها بعلمه على غير مثال كان قبله ، فابتدع السّماوات والأرضين ولم يكن قبلهنّ سماوات ولا أرضون . أما تسمع لقوله تعالى : وَكانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ ؟ » الخبر « 2 » . ثمّ بيّن كيفية الإبداع بقوله : وَإِذا قَضى أَمْراً وأراد شيء ، كائنا ما كان فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ لا

--> ( 1 ) . السنخ : الأصل من كلّ شيء . ( 2 ) . الكافي 1 : 200 / 2 ، والآية من سورة هود : 11 / 7 .