الشيخ محمد النهاوندي

315

نفحات الرحمن في تفسير القرآن

أولياء اللّه وأحبّاؤه ، ردّهم بأنّهم أظلم النّاس ، بقوله : وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللَّهِ وهي مساجد خيار المؤمنين ، أو بلدة مكّة ، أو المسجد الحرام ، أو جميع وجه الأرض لقول النبيّ صلّى اللّه عليه وآله : « جعلت لي الأرض مسجدا » « 1 » . أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعى فِي خَرابِها بالمنع من عبادة اللّه فيها ، حيث إنّ تعمير المساجد بكثرة العبادة أُولئِكَ المانعون عن ذكر اللّه السّاعون في تخريب بيوت اللّه ما كانَ يحقّ لَهُمْ بعدل اللّه وحكمته أَنْ يَدْخُلُوها إن كان المراد بلدة مكّة والمسجد الحرام ، أو يسكنوها ان كان المراد جميع وجه الأرض إِلَّا خائِفِينَ من سيوف المؤمنين وسياطهم ، فهو وعد للمؤمنين بالنّصرة واستخلاص المساجد من سلطة الكفّار . وقيل : إنّ المراد ما كان لهم أن يدخلوها إلّا بخشية وخضوع ، فضلا عن الاجتراء على تخريبها « 2 » . ومع ذلك لَهُمْ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ فضيع بطردهم عن الحرم ، ومنعهم أن يعودوا إليه ، أو بضرب الجزية في حقّ أهل الذّمّة منهم ، وبالقتل في حقّ أهل الحرب وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ في النّار بما ارتكبوا من الظلم العظيم ، وهو أشدّ من خزي الدنيا ومن كلّ عذاب . روي أن فضوح الدنيا أهون من فضوح الآخرة . عن عليّ بن الحسين عليهما السّلام : « ولقد كان من المنافقين والضعفاء وأشباه المنافقين قصدوا إلى تخريب المساجد بالمدينة وتخريب مساجد الدنيا كلّها بما همّوا [ به ] من قتل عليّ عليه السّلام بالمدينة وقتل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله في طريقهم إلى العقبة » يعني [ في ] غزوة تبوك . وقيل : إنّ سبب نزول الآية أنّ طيطوس « 3 » الرّوميّ ملك النّصارى وأصحابه غزوا بني إسرائيل ، فقتلوا مقاتلتهم ، وسبوا ذراريهم ، وأحرقوا التّوراة ، وأخربوا بيت المقدس ، وقذفوا فيه الجيف ، وذبحوا فيه الخنازير ، ولم يزل خرابا حتّى بناه أهل الإسلام في أيّام عمر بن الخطّاب « 4 » . [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 115 ] وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ واسِعٌ عَلِيمٌ ( 115 ) ثمّ أنّه تعالى لمّا ذكر المساجد وتخريبها ، أشار إلى إنّه لا ينبغي أن يصير تخريب المساجد أو المنع

--> ( 1 ) . مجمع البيان 1 : 361 . ( 2 ) . تفسير أبي السعود 1 : 149 ، تفسير روح البيان 1 : 209 . ( 3 ) . في تفسير أبي السعود : طيطيوس . ( 4 ) . تفسير أبي السعود 1 : 149 .