الشيخ محمد النهاوندي
314
نفحات الرحمن في تفسير القرآن
ضلالهم وفسقهم . في تحاكم اليهود والنصارى إلى النبيّ صلّى اللّه عليه وآله عن الحسن بن عليّ بن أبي طالب عليهما السّلام : « إنّما نزلت لأنّ قوما من اليهود وقوما من النّصارى جاءوا إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله فقالوا : يا محمّد ، اقض بيننا . فقال صلّى اللّه عليه وآله : قصّوا عليّ قصّتكم . فقالت اليهود : نحن المؤمنون باللّه الواحد الحكيم ، وأولياءه ، وليست النّصارى على شيء من الدّين والحقّ . وقالت النّصارى : بل نحن المؤمنون باللّه الواحد الحكيم ، وأولياؤه ، وليست هؤلاء اليهود على شئ من الحقّ والدّين . فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله : كلكم مخطئون ، مبطلون ، فاسقون عن دين اللّه وأمره ، فقالت اليهود : وكيف نكون كافرين وفينا كتاب اللّه التّوراة نقرأه ؟ وقالت النّصارى : كيف نكون كافرين وفينا كتاب اللّه الإنجيل نقرأه ؟ فقال رسول اللّه : إنّكم خالفتم أيّها اليهود والنّصارى كتاب اللّه فلم تعملوا به ، فلو كنتم عاملين بالكتابين لما كفّر بعضكم بعضا بغير حجّة ؛ لأنّ كتب اللّه أنزلها شفاء من العمى ، وبيانا من الضّلالة ، يهدي العاملين بها إلى صراط مستقيم ، وكتاب اللّه إذا لم تعملوا به كان وبالا عليكم ، وحجّة اللّه إذا لم تنقادوا لها كنتم للّه عاصين ولسخطه متعرّضين . ثمّ أقبل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله على اليهود ، فقال : احذروا أن ينالكم لخلاف أمر اللّه وخلاف كتابه ما أصاب أوائلكم الذين قال اللّه تعالى فيهم : فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزاً مِنَ السَّماءِ » الخبر « 1 » . والظاهر أنّهم لمّا تنازعوا واكتفوا بالدّعوى بغير إقامة حجّة وبرهان ، أجابهم صلّى اللّه عليه وآله بأنّ كتاب اللّه انزل لرفع الاختلاف ، فلو تأمّلتم فيه حقّ التأمّل ، وتركتم العصبيّة والتّقليد ، وأعطيتم النّظر فيه حقّه ، لارتفع الخلاف من بينكم وهديتم جميعا إلى الحقّ . ونقل أنّ وفد نجران لمّا قدموا على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله أتاهم أحبار اليهود فتناظروا حتّى ارتفعت أصواتهم ، فقالت اليهود : ما أنتم على شيء من الدّين ، وكفروا بعيسى عليه السّلام والإنجيل . وقالت النّصارى لهم نحوه ، وكفروا بموسى عليه السّلام والتّوراة « 2 » . ثمّ أنّه تعالى لمّا حكى عن اليهود والنّصارى والمشركين دعوى كلّ واحد أنّه على الحقّ وأنّهم
--> ( 1 ) . التفسير المنسوب إلى الإمام العسكري عليه السّلام : 544 / 325 ، والآية من سورة البقرة : 2 / 59 . ( 2 ) . تفسير الرازي 4 : 7 .