الشيخ محمد النهاوندي

31

نفحات الرحمن في تفسير القرآن

ونسبوها إلى الكذب وقالوا : إنّه لا برهان على صدق دعوى مدّعي النبوّة إلّا نفوذ قوله وتأثيره في النفوس وقبول الناس . وكما نرى من أهل السنّة من القول بعدم لزوم عصمة الإمام ، حتّى يتمشّى من الفرقة الأولى دعوى النبوّة أو مرتبة فوقها ، ومن الفرقة الثانية دعوى إمامة أئمّتهم مع اتّفاق المسلمين على أنّهم كانوا مشركين في المدّة المديدة من عمرهم . ولمّا رأينا أنّ نبيّنا صلّى اللّه عليه وآله بالغ في كتابه العزيز في تعظيم سائر الأنبياء أكثر من تعظيم أممهم لهم ، وأثبت لهم من المعجزات وخوارق العادات أزيد ممّا اعتقد بها المؤمنون بهم ، كتكلّم عيسى عليه السّلام في « 1 » المهد ، وعروجه حيّا إلى السّماء ، وإلقاء شبهه على غيره ، ثم ادّعى لنفسه النبوّة ، بل ادّعى أنّه أفضل وأعظم شأنا من الأنبياء الذين هم ذوو المعاجز الباهرة ، ثم علمنا أنّه آمن به كثير من العقلاء وجمع من أمم سائر الأنبياء كاليهود والنّصارى وغيرهم من مشركي العرب مع نهاية افتتانهم بآلهتهم وكمال ثباتهم في ملّتهم ، علمنا أنّ هذا المدّعي للنبوّة كان قادرا على ما كان سائر الأنبياء قادرين عليه من المعجزات ، وأتى بخارق عادة دالّ على صدقه كما أتى غيره من الأنبياء ، وكان له من العلم ما كان لهم ، ومن الأخلاق والأعمال ما يشبه أخلاقهم وأعمالهم ، وإلّا لم يكد يمكن أن ينتظم آخره ، ويبهر نوره ، ويزداد على الشمس ظهوره . إن قيل : إنّ كتابه ناطق أنّه لم يكن له معجزة من معاجز موسى بن عمران عليه السّلام حيث قال سبحانه : فَلَمَّا جاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنا قالُوا لَوْ لا أُوتِيَ مِثْلَ ما أُوتِيَ مُوسى « 2 » بل فيه آيات دالّة على أنّه لم يكن له معجزة أصلا كقوله تعالى : وَيَقُولُونَ لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ « 3 » ثمّ لم يجبهم الرسول بأنّي قد جئتكم بما جاء به موسى أو : آتيكم بعد به ، أو : أتيتكم بمثل ما أتى به سائر الأنبياء والرّسل ، بل أجابهم بقوله : أَ وَلَمْ يَكْفُرُوا بِما أُوتِيَ مُوسى مِنْ قَبْلُ « 4 » أو قوله : فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ أو قوله : إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّما أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ « 5 » وأمثال ذلك . قلنا : إنّه يكفي في إثبات النبوّة إتيان أمر خارق للعادة بحيث يكون إيجاد اللّه له بيد ذلك النبيّ تصديقا منه تعالى لدعواه ، وإن لم يكن من أنواع إعجاز سائر الأنبياء ، كما أنّه كان لكل واحد من أنبياء

--> ( 1 ) . في النسخة : على . ( 2 ) . القصص : 28 / 48 . ( 3 ) . يونس : 10 / 20 . ( 4 ) . القصص : 28 / 48 . ( 5 ) . العنكبوت : 29 / 50 .