الشيخ محمد النهاوندي

32

نفحات الرحمن في تفسير القرآن

بني إسرائيل نوع خاصّ من الإعجاز ، أو أنواع مخصوصة ، ولم يكونوا متوافقين على نوع واحد أو أنواع خاصّة ، فإنّ موسى عليه السّلام كان له معجزة العصا ، واليد البيضاء ، وفلق البحر ، وسائر الآيات التسع ، لاقتضاء زمانه لها وعدم اقتضائه لغيرها ، ولم يظهر من عيسى عليه السّلام هذه الأنواع من المعجزات ، بل ظهر منه ما ناسب زمانه من إحياء الأموات وإبراء الأكمه والأبرص وغير ذلك . فلازم النبوّة إتيان جنس المعجزة كي يكون دليلا على صدق الدعوى ، فإذا أتى مدّعي النبوّة بمعجزة دالّة على صدق دعواه ، وجب الإيمان به ، والتصديق بنبوّته ، واتّباع أحكامه ، ولو لم يكن من الأنواع التي كانت لغيره . نعم إذا توقّف هداية شخص على الإتيان بمسؤوله ، وكان سؤاله عن إرادة الاهتداء لا عن التعنّت واللّجاج ، كان على النبيّ إجابة مسؤوله وإزالة شبهته ، وأمّا إذا كان السؤال عن تعنّت ولجاج بعد وضوح الحقّ ، فلم يحسن إجابة السائل المتعنّت ، بل يجب جوابه بما يدلّ على تعنّته ، كما أجابهم اللّه بقوله : أَ وَلَمْ يَكْفُرُوا بِما أُوتِيَ مُوسى مِنْ قَبْلُ « 1 » . والغرض من التقرير السابق ، هو علمنا من الأمارة القاطعة بأنّه كان له عليه السّلام معجزة ظاهرة دالّة على صدقه إجمالا ، ولو لم يكن من أنواع معجزات سائر الأنبياء عليهم السّلام بل كان أقلّ ، كتحرّك الشجر من مكانه بأمره ، أو تسبيح الحصاة في يده ، أو أعظم كانشقاق القمر ، وإحياء الرّمم ، فبعد ثبوت إتيانه بما كان مشتركا مع معجزات سائر الأنبياء في جنس الإعجاز ، وإن كان مغايرا لها بالنوع ، يظهر صدقه ويجب اتّباعه . ولا ينافي هذه الآيات ما ادّعيناه حيث إنّ الظاهر أنّ الكفّار سألوا إتيان الأنواع المعهودة من سائر الأنبياء كموسى وعيسى ، لا أنّهم سألوا صدور جنس المعجزة منه صلّى اللّه عليه وآله بل الكتاب العزيز دالّ بالصراحة على أنّه كان له معجزة وآية حيث قال : وَإِذا جاءَتْهُمْ آيَةٌ قالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتى مِثْلَ ما أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ « 2 » وقال في تقريع معارضته : وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ « 3 » وأمثال ذلك . ولمّا كان سؤالهم تعنّتا لم يحسن إجابة مسؤولهم ، ولذا لم يجبهم إلّا بالتقريع والتبكيت كقوله : أَ وَلَمْ يَكْفُرُوا بِما أُوتِيَ مُوسى مِنْ قَبْلُ « 4 » ، وقوله : اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ « 5 » ، وقوله : إِنَّ اللَّهَ

--> ( 1 ) . القصص : 28 / 48 . ( 2 ) . الأنعام : 6 / 124 . ( 3 ) . القمر : 54 / 2 . ( 4 ) . القصص : 28 / 48 .