الشيخ محمد النهاوندي
127
نفحات الرحمن في تفسير القرآن
وثالثها : الاختلاف في جهتي الفعل ، كقوله تعالى : فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى « 1 » أضيف القتل إليهم والرّمي إلى النبيّ صلّى اللّه عليه وآله على جهة المباشرة ، ونفاه « 2 » عنهم وعنه صلّى اللّه عليه وآله باعتبار الأسباب « 3 » . ورابعها : الاختلاف في الحقيقة والمجاز ، كقوله : وَتَرَى النَّاسَ سُكارى أي من الأهوال مجازا ، وقوله : وَما هُمْ بِسُكارى « 4 » أي من المسكر حقيقة . أمسها : اختلاف الوجه والاعتبار ، كقوله تعالى : فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ « 5 » مع قوله تعالى : خاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ « 6 » فالأول باعتبار زوال المانع ، والثاني باعتبار الخوف . وكقوله : الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ « 7 » مع قوله : إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ « 8 » فيظنّ أنّ الوجل خلاف الطمأنينة ، وجوابه أنّ الطمأنينة بانشراح الصّدر بمعرفة اللّه ، والوجل من خوف الزّيغ والذّهاب عن الهدى « 9 » . أقول : وكقوله تعالى : فَالْيَوْمَ نَنْساهُمْ كَما نَسُوا لِقاءَ يَوْمِهِمْ هذا « 10 » مع قوله : وَما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا « 11 » فإنّ النسيان في الأولى بمعنى ترك إثابتهم وعدم الأمر لهم بخير ، وفي الثانية بمعنى عدم الذكر . وكقوله تعالى : وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ * إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ « 12 » مع قوله : لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ « 13 » فإنّ النّظر في الأوّل النظر إلى ثوابه ، أو إلى ربّهم كيف يثيبهم . وكقوله تعالى : كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ « 14 » وكقوله : إِنِّي ذاهِبٌ إِلى رَبِّي سَيَهْدِينِ « 15 » وقوله : فَأَتاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا « 16 » مع قوله : وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ « 17 » [ فإنّما يعني بقوله لَمَحْجُوبُونَ أي عن ثواب ربّهم يوم القيامة ] وإن الذّهاب في قوله تعالى : إِنِّي ذاهِبٌ بمعنى التوجّه والعبادة ، وإتيان اللّه بمعنى إرسال العذاب ، وكذلك إتيانه بنيانهم [ في قوله
--> ( 1 ) . الأنفال : 8 / 17 . ( 2 ) . في النسخة : ويفنا . ( 3 ) . في الاتقان : باعتبار التأثير . ( 4 ) . الحج : 22 / 2 . ( 5 ) . سورة ق : 50 / 22 . ( 6 ) . الإتقان في علوم القرآن 3 : 95 ، والآية من سورة الشورى : 42 / 45 . ( 7 ) . الرعد : 13 / 28 . ( 8 ) . الأنفال : 8 / 2 . ( 9 ) . الإتقان في علوم القرآن 3 : 96 . ( 10 ) . الأعراف : 7 / 51 . ( 11 ) . مريم : 19 / 64 . ( 12 ) . القيامة : 75 / 22 و 23 . ( 13 ) . الأنعام : 6 / 103 . ( 14 ) . المطففين : 83 / 15 . ( 15 ) . الصافات : 37 / 99 . ( 16 ) . الحشر : 59 / 2 . ( 17 ) . الحديد : 57 / 4 .