محمد أبو زهرة

5108

زهرة التفاسير

قال اللّه تعالى مخاطبا نبيه آمرا له : قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيها إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ( 84 ) الأمر للنبي صلّى اللّه عليه وسلم بأن يواجههم بالحقائق وما يترتب على العلم بها ، ولمن الأرض ؟ أي من يملك الأرض ومن عليها من العقلاء ملكية كاملة بالخلق والإنشاء والتكوين ؟ أمره أن يسألهم عن ذات الأرض ، وعن العقلاء فيها ، ولكن لم يسأل عن غير العقلاء من الدواب ، وما في باطنها من معادن وفلزات ، وما في بحارها من جواهر كريمة ، ونقول : إن كلمة الأرض شملت بعمومها كل ما على ظاهرها من نبات وحيوان وجماد ، وما في جوفها من فلزات سائلة وغير سائلة ومعادن أكثرها في باطنها . ولأن الملكية وإن وقعت على العقلاء باعترافهم فهي على غيرهم تثبت بالأولى ؛ لأن غير العقلاء أشياء تشترى وتباع ، فهي أولى بالملكية ، ويعلق النبي - بأمر اللّه - الإجابة على علمهم ، والتعليق يومئ إلى علمهم وأنه حقيقة ، ولكن ذكر ب « إن » التي تفيد الشك في وقوع الشرط ، للإشارة إلى أن علمهم كلا علم ؛ لأنهم يعملون بنقيضه . ولقد بين اللّه تعالى إجابتهم ، فقال : سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَ فَلا تَذَكَّرُونَ ( 85 ) السين لتأكيد القول ، أي سيكون جوابهم حتما : للّه ، لما ذكرنا من أنهم يعلمون أن خالق الكون كله بما فيه ومن فيه هو اللّه تعالى لا ريب عندهم في ذلك ، ولكنهم يفصلون النتيجة عن مقدماتها ، فعلمهم بالخالق كان يوجب عليهم ألا يعبدوا غيره ؛ لأن العبادة نتيجة الخلق والتكوين ، ولذا قال تعالى : قُلْ والخطاب للنبي صلّى اللّه عليه وسلم : أَ فَلا تَذَكَّرُونَ ( الفاء ) لترتيب ما بعدها على ما قبلها ، أي لترتيب التذكر على إيمانهم بأن اللّه تعالى خالق الأرض ومن فيها ، أي إذا كنتم تعلمون هذا وتؤمنون فألا تذكرون ، والاستفهام إنكاري لإنكار الواقع ، أي أنهم في الواقع لا يتذكرون ، ولا يربطون المقدمات بنتائجها ، والذكر هو إدراك موجبات العقل ، والحقائق التي تؤمن بها القلوب . وقد أمر اللّه تعالى نبيه أن يسألهم في أمر كونى آخر .