محمد أبو زهرة

5106

زهرة التفاسير

تعالى عنهم : أَ إِذا مِتْنا ، وقوله : أَ إِنَّا لَمَبْعُوثُونَ ، في هذا الاستفهام إشارة إلى موضع استنكارهم ، فموضع استنكارهم البعث بعد أن يموتوا ويصيروا ترابا وعظاما ، كقولهم : مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ ( 78 ) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ . . . ( 79 ) [ يس ] ، وكرر سبحانه الاستفهام للنص على موضع إنكارهم أو استنكارهم ، وذلك جهل منهم باللّه وهو الخالق ، وهو شديد المحال . وقد أفرط المشركون في إنكارهم فقالوا : لَقَدْ وُعِدْنا نَحْنُ وَآباؤُنا هذا مِنْ قَبْلُ إِنْ هذا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ ( 83 ) . إن النبي صلّى اللّه عليه وسلم وعدهم بالبعث والنشور في أول دعوته لهم ، فقد قال عندما أمره ربه أن يصدع بأمر ربه ، وقال له : فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ ( 94 ) [ الحجر ] ، وعندما قال له عزّ وجل : وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ ( 214 ) [ الشعراء ] قال صلّى اللّه عليه وسلم : « واللّه لتموتن كما تنامون ولتبعثن كما تستيقظون » « 1 » واستمر يكرر هذه الدعوة لهم غير وان ولا مقصر ، وبمقدار استمراره كان جحود المشركين ؛ ولذا أخبر اللّه تعالى عنهم : لَقَدْ وُعِدْنا نَحْنُ وَآباؤُنا هذا مِنْ قَبْلُ أكدوا أنهم وعدوا وآباؤهم الذين أدركوا النبي صلّى اللّه عليه وسلم من قبل هذا الزمان ، وقد أكدوا أنه وعدهم بقد ، وباللام ، ولكن مع توكيد وعدهم أكدوا إنكارهم له ، فقد قالوا : إِنْ هذا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ إِنْ نافية أي ما هذا الوعد المكرر إلا أكاذيب الأولين التي تقال في موضع السمر والتفكه بفارغ القول ، جاء في مفردات الراغب في الأساطير : « قال المبرد هي جمع أسطورة ، نحو أرجوحة وأراجيح ، وأثفية وأثافى وأحدوثة وأحاديث » ، أي أنها أخبار غير صادقة يتفكه بها ، ويقطع الوقت بالسمر عليها ، فليست حقا تتبع ، ولا جدّا من القول يتعظ به .

--> ( 1 ) سبق تخريجه .