محمد أبو زهرة

5104

زهرة التفاسير

وإن هذه الحواس والمدارك هي التي بها علا الإنسان ، وقال تعالى : قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ ما دالة على تأكد ما قبلها أي قليلا أىّ قلة ما تَشْكُرُونَ فلا تقومون بحق هذه النعم كما قال تعالى : إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلًا ( 36 ) [ الإسراء ] ، وقال تعالى : فَما أَغْنى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلا أَبْصارُهُمْ وَلا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ . . . ( 26 ) [ الأحقاف ] إذ كانوا يجحدون بآيات اللّه تعالى ، وإن أول شكر للنعمة الإقرار بفضل من أنعم ، وألا يسوى بغيره مما لا يضر ولا ينفع ، وليس له سمع ولا بصر ولا فؤاد ، بل هي أحجار لا حياة فيها . وَهُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ( 79 ) . الضمير يعود على ذي الجلال والإكرام ، والواو عاطفة ، ذرأ معناها أظهر ونشر فهو اللّه جل جلاله هو الذي أظهرنا في الأرض ، ونشرنا في أقاليم شتى في الأرض ، وجعلنا ألوانا وألسنة مختلفة ، وتلك من آيات اللّه تعالى ، كما قال جلت قدرته : وَمِنْ آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوانِكُمْ . . . ( 22 ) [ الروم ] ، وذكر سبحانه وتعالى في قوله : فِي الْأَرْضِ إشارة إلى أن الانتشار في عموم الأرض كلها ، وإشارة إلى أننا منها وبثّنا اللّه تعالى فيها ، وإليها نعود ، ثم قال تعالى مبينا المآل : وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ تقديم الجار فيه معنى الاختصاص ، أي إليه وحده تحشرون ، لا يكون معكم شئ مما تدعون من دونه ، وقال سبحانه : تُحْشَرُونَ ، أي تجمعون محشورين غير مفرقين ، بل يكونون جمعا لا تفاوت فيه . وَهُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ وَلَهُ اخْتِلافُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ أَ فَلا تَعْقِلُونَ ( 80 ) . الضمير يعود أيضا إلى اللّه جل جلاله ؛ وذلك لتربية المهابة في النفس ، والمعنى : هو اللّه الخالق الذي يحيى الإنسان كل يوم وكل ساعة من زمان ، فينشئ من يحييه ، ويميت من ينته أجله ، فإذا جاء أجله لا يستأخر ساعة ، ولا يتقدم ساعة ، ولكل أجل كتاب .