محمد أبو زهرة
5103
زهرة التفاسير
بالحق ، ثم ختم بالإلقاء في الجحيم ، وكل هذا تصوير لحالهم من حيث إنهم كانوا كلما نزلت بهم شديدة رجوا بعدها نجاة حتى جاءهم ما لا ينته ولا يسد أبدا ، وهو يوم القيامة ، وسمى بابا ؛ لأنه يفتح ، وينته إلى الجحيم التي فيها يسجّرون . ويقول سبحانه : إِذا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ الضمير يعود إلى الباب ، ويقصد ما وراءه مما يدخلون فيه مُبْلِسُونَ أي متحيرون ، كما يقول اللّه تعالى : وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ ( 12 ) [ الروم ] ، وقال تعالى : لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ ( 75 ) [ الزخرف ] ، والإبلاس كما أشرنا هو الحيرة الشديدة مع اليأس الذي لا رجاء فيه . بعد ذلك بين سبحانه إنشاءه للإنسان ، وإنه أنشأ له حواسه التي بها يحس ، وعقله الذي به يدرك ، ولكنه كفر بهذه النعم ، فقال تعالى : وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ ( 78 ) . بين اللّه سبحانه وتعالى أنه منحهم أسباب الإدراك ، ولم يدركوا ، ولم يشكروا اللّه تعالى على ما أنعم ، فهو سبحانه وتعالى أنشأ لكم السمع لتسمعوا الخير وتدركوه ، ولتسمعوا آيات اللّه تعالى في الرعد ، فترهبوه ، ولتسمعوا النذر فتتقوا ، ولتسمعوا المبشرات فترجوه . والأبصار : وهي جمع بصر ، لتبصروا الكون وما فيه ، فتبصروا الشمس والقمر ، والنجوم في أبراجها ، والماء ينزل فينبت الزرع ، وتكون الأرض ذات منظر بهيج ، وجمع الأبصار ، ولم يأت بها مفردة كالسمع لتعدد المبصرات وتغايرها وتكاثرها ، وفي كل مبصر منها آية تدل على وحدانية اللّه وقدرته ، وكل مبصر له حيز وشكل وصور مختلفة ، ولبيان أن في المبصرات مناظر مختلفة تسوغ تعدد البصر لأجلها . والأفئدة جمع فؤاد ، وهو القلب ، والعرب كانت تجعل موضع الإدراك والتفكير القلب ، وأنه عند التحقيق أوسع إدراكا من العقل ؛ لأن القلب يشعر ويحس ويتصور ، وفي الشعور علم ، والعقل يدرك ويتصور ويربط الأسباب بالنتائج ، ويقيس بين الأشياء ، وجمع الأفئدة ؛ لتعدد المدركات ، وسموها أو انحدارها .