محمد أبو زهرة

5084

زهرة التفاسير

فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُراً كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ ( 53 ) . الزبر جمع زبرة أو اسم جنس جمعى ، وهو الذي يفرق فيه بين المفرد والجمع بالتاء أو بياء النسب ، كروم ورومى ، والزبرة قطعة من الحديد ، وقد شبهت الجماعات المختلفة في نزاعها بزبر الحديد ، من حيث إن كل واحدة شديدة في التمسك بما عندها كأنها صلب الحديد ، لا تترك رأيها ، كما لا تتفرق زبر الحديد . أي اختلفوا متقطعين متنابزين غير مجتمعين في أمرهم ، بحيث لا متسع للالتقاء فيما بينهم ، يتحزبون في تفكيرهم : كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ ، أي كل جماعة متحزبة متعصبة لما عندها ، فرحة به ، وتحسب أنه الحق الذي لا ريب فيه ، وهو الضلال المبين ، وإن التحزب لفكرة يدفع إلى التعصب لها ، والتعصب يعمى ويصم ، وتقديم الجار والمجرور - بما لديهم - لبيان أهميته عندهم . وهنا ننبه إلى أن الفاء في قوله : فَتَقَطَّعُوا فاء السببية ، وهي بهذا المعنى يرجح أن معنى الأمة ما بدر لنا ، وتبعا أن يكون معناها : دين التوحيد ؛ لأنه لا يترتب عليه التقاطع والتفرق . فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ ( 54 ) . الخطاب للنبي صلى اللّه عليه وسلم ، والضمير يعود إلى المشركين ، فإنهم حاضرون في ذهن النبي صلى اللّه عليه وسلم في أنهم في كفرهم وعنادهم موضوع القول ، وتسرية اللّه لنبيه لأجل أذاهم المستمر اللحوح ، والغمرة الماء الكثير الذي يغمر من ينزل فيه ، والمراد الجهالة ، أي ذرهم في جهالتهم التي غطت عقولهم وفكرهم كما تغطي الغمرة : التي تغطي أجسامهم ، وإن جهالتهم هذه جعلتهم في حيرة بين حق رأوا دلائله ، وباطل قد استولى على نفوسهم ، وقوله تعالى : حَتَّى حِينٍ إلى حين ليس ببعيد ، وإنه لقريب ؛ لأنه واقع ، وكل واقع قريب مهما يتباعد زمانه . والفاء فاء الإفصاح ، والمعنى إذا كانوا قد أعرضوا عن الحق ، ولجوا في إعراضهم جهالة وحيرة فذرهم حتى حين ، والحين الذي ينته عنده انتظار أمر اللّه