محمد أبو زهرة

5078

زهرة التفاسير

ثُمَّ أَرْسَلْنا مُوسى وَأَخاهُ هارُونَ بِآياتِنا وَسُلْطانٍ مُبِينٍ ( 45 ) إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِ فَاسْتَكْبَرُوا وَكانُوا قَوْماً عالِينَ ( 46 ) . العطف ب ثُمَّ التي للتراخى لبعد الزمان وبعد المكان ، وللانتقال من قوم متشابهين إلى غيرهم ، ذكر اللّه تعالى رسالة موسى وهارون ؛ لأن اللّه تعالى استجاب لموسى عندما دعا ربه أن يجعل له وزيرا من أهله ، هارون ، وقد خاطبا معا فرعون ذا الأوتاد عندما لقياه . أرسلهما اللّه تعالى بآياته ، وقد بلغت تسعا ، وَسُلْطانٍ مُبِينٍ أي بحجة باهرة ، فالسلطان في لغة القرآن يطلق على الحجة ؛ ولأن الحجة سلطان الداعي وقوته ، ولا قوة لمن لا حجة له ولو كان فرعون ، ووصف اللّه تعالى السلطان بأنه مُبِينٍ ، أي واضح بين من حيث الحجية ؛ إذ إنه غير قابل للنقض ، ومعلوم معروف ؛ لأنه غير قابل للإنكار . وقد ذكر اللّه تعالى من أرسل إليه موسى وأخاه هارون فقال : إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِ فَاسْتَكْبَرُوا وَكانُوا قَوْماً عالِينَ ( 46 ) . فرعون في عصره كان طاغية الدنيا ، وكان المصريون قد استسلموا له وكان ملؤه حكام مصر يحكمون بطغيانه ، ويسولون له كل ما يفعل ، ويسوغون له ما به يعلو ويسرف ، وباسمه عتوا عن أمر العقل والمنطق والحق ، بعث اللّه تعالى موسى وهارون إلى هؤلاء وكل يعتز بعزة فرعون ، وكانوا يستفتحون بعزته ، فكانوا من منطق الوقائع ، لا من منطق الحق والعقل مستكبرين ؛ ولذا رتب على حالهم أنهم مستكبرون فقال : فَاسْتَكْبَرُوا ، و ( الفاء ) فاء السببية ، أي بسبب هذه الطغواء استكبروا وكانوا قوما عالين ، أي مرتفعين عن الناس ، لا في ذات أنفسهم ، بل بحكم واقع الحكم والأمور التي تسير سيرا مطردا ، وهم يعلون في أنفسهم ادعاء وغلوا وطغيانا لا يستمعون إلى الحق ، ولا يصغون إلى داعية ، يغالون في رده ، ولقد قال تعالى : إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَها شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْناءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ إِنَّهُ كانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ ( 4 ) [ القصص ] ، وقد ذكر اللّه تعالى مضمون ردهم ، فكان كرد غيرهم ، وهو استبعاد أن يكون الرسول مثلهم ، وقد تواضعوا في ذكر هذه المثلية .