محمد أبو زهرة

5052

زهرة التفاسير

السلالة : هي صفو الطين هنا ، والإنسان دخل في تكوينه صفو الطين مرتين : المرة الأولى - عندما خلق آدم من تراب فكان صفو الطين في تكوينه ، والثانية - أن الطين يدخل في تكوينه بعد أن صار كيانا إنسيا ؛ ذلك أن غذاءه يتكون من النبات والحيوان وكلاهما من صفو الطين ؛ لأن النبات ينبت من اختلاط الطين بالماء ، والحيوان آكل من النبات ، فكانت سلالة من طين فيه مِنْ في قوله تعالى : مِنْ سُلالَةٍ هي مِنْ الابتداء التي تدل على أن الإنسان يكون من سلالة طين و مِنْ الثانية بيانية ، أي من سلالة هي طين . ولقد ذكر سبحانه خلقه بعد أن صار في أصلاب الآباء ، ثم أرحام الأمهات ، فقال : ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً فِي قَرارٍ مَكِينٍ ( 13 ) . العطف ب « ثُمَّ » له موضعه ؛ لأنه مر بأصلاب الآباء ، ثم دفق الماء الذي هو النطفة في أرحام الأمهات ، كما قال تعالى في تكوينه : فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ مِمَّ خُلِقَ ( 5 ) خُلِقَ مِنْ ماءٍ دافِقٍ ( 6 ) يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرائِبِ ( 7 ) إِنَّهُ عَلى رَجْعِهِ لَقادِرٌ ( 8 ) يَوْمَ تُبْلَى السَّرائِرُ ( 9 ) فَما لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلا ناصِرٍ ( 10 ) [ الطارق ] وقوله : ثُمَّ جَعَلْناهُ ، الضمير يعود إلى الطين الذي جعل سلالته أي ما ينسل منه - نطفة . و جَعَلْناهُ هنا بمعنى حولناه في أصلاب الآباء نطفة هي الماء الدافق الذي ألقى في أرحام الأمهات ، وهذه الأرحام هي ( القرار المكين ) فالقرار معناه المستقر ، ووصف بأنه مكين ، أي أنه محكم ، ما استقر فيه لا يمكن أن يخرج منه ، ووصف المستقر بأنه مكين من حيث إن ما يدخله يكون ثابتا ، بل يتربى في موضعه ويتغذى حتى يحين ميقاته ، فوصف الموضع بالاستقرار ، والمكانة والثبات مع أن الثابت المستقر هو ما أودعه ، كما يوصف الطريق بأنه سائر مع أن السائر هو الماشي فيه . وإن اللّه الخلاق العليم يجعل الأرحام عندما يدفق فيها الماء يغلق عليه ويتربى فيه ، ويتغذى من الدم ، حتى يحين ميعاد الولادة ، والأدوار التي يذكرها اللّه تعالى بعد ذلك وهو في القرار المكين ، حتى خلق خلقا جديدا فقال تعالى :