محمد أبو زهرة

5053

زهرة التفاسير

ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظاماً فَكَسَوْنَا الْعِظامَ لَحْماً ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ ( 14 ) . العطف ب « ثُمَّ » في خلق العلقة من الماء السائل الأبيض في موضعه ؛ لأنه يكون في وقت أطول ، إذ إنه يتحول إلى لحمة حمراء ، ويتحيز في مكان بعد أن كان سائلا ليس له مكان متحيز فيه يملأ فراغا ، وعبر هنا بالخلق ، ولم يعبر بالجعل ، لأنه أنشأه إنشاء ، إذ إن تحول ما ينسل من الطين إلى ماء هو النطفة تحويل بخلق الخالق ؛ ولذا عبر ب « جعل » التي تدل على الخلق ، والتصيير والتحويل ، بعد ذلك فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً ، أي أن العلقة تحولت إلى مضغة ، والأصل في المضغة قدر ما يمضغ في الفم من اللحم ، ويبتدئ في المضغة تشكيل اللحم وتصويره بالصورة التي تكون عليه ؛ ولذا جاء في سورة الحج : ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ . . . ( 5 ) [ الحج ] فيبتدئ في المضغة التخليق ، وينته بأن يكسى عظاما ، والتعبير ب خَلَقْنَا هنا للإشارة إلى أن ذلك التصيير أو التحويل إنما هو بخلق اللّه تعالى لا بالسببية التي تحول الجنين من نطفة إلى علقة ثم إلى مضغة ، فإن اللّه تعالى هو الخلاق العليم الذي ينشئ الشئ ، فلا ينشأ شئ بغير إرادته ، إنما إرادة اللّه تعالى وقدرته هي الفاعلة . ثم قال سبحانه : فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظاماً ، أي بعد أن تخلقت المضغة ، وتميزت أجزاؤها ، جعلها اللّه تعالى عظاما أي جعل من هذه المضغة عظاما صلبة تتحمل . سبحان اللّه تعالى ، طين فماء مهين فقطعة لحم ، فمضغة مخلقة وغير مخلقة ، ثم قال تعالى : فَكَسَوْنَا الْعِظامَ لَحْماً ، أي جعلنا العظام التي خلقت من المضغة - مكسوة باللحم ، وظاهر أن ذلك بخلق اللّه وتكوينه ، ابتدأت بماء مهين ، ثم بقطعة لحم ثم بمضغة قدر ما يمضغه الإنسان ، ثم بتخليقها ، وجعلها عظاما ثم يكسو العظام باللحم ، ذلك بقدرة العليم الحكيم وخلقه . وهنا نلاحظ أن العطف كان بالفاء الدالة على الترتيب والتعقيب ، في قوله تعالى : فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظاماً فَكَسَوْنَا الْعِظامَ لَحْماً ؛ وذلك للدلالة على سرعة