محمد أبو زهرة
4485
زهرة التفاسير
حيث يجعل رسالته ، وقوله تعالى : الْكِتابَ للدلالة على كمال الكتاب في ذاته ، فهو الجدير بأن يسمى كتابا ، وليس غيره جديرا بهذه التسمية ، وله ذلك الشرف الداني ؛ لأنه يشتمل على كل ما يصلح البشر في معاشهم ، ومعادهم وما تقوم به مدنية سليمة فاضلة تنفى خبثها ، وتدعم خيرها ، وله شرف آخر إضافى وهو أنه منزل من اللّه العزيز الرحيم الرؤوف الغفور الذي رحمته وسعت كل شئ . هذه صفات ذاتية وإضافية ، ومن صفاته الذاتية أيضا أنه لا عوج فيه ؛ ولذا قال تعالى : وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجاً ، أي أنه سبحانه خلقه متجها إلى الحق من غير انحراف ، وأنه كالجسم الذي لا يعوّج حسيا ، فإن الجسم قد يكون في ذاته مستقيما ، ولكن قد يتعرض لبعض الصدمات التي تجعله يسيخ « 1 » أو ينقبض ، وإن هذا القرآن لا عوج فيه ، لا من خارجه ولا من أصل تكوينه ، فهو كونه قويما ولا يمسه شئ يزيغ أو ينحرف ، فهو قويم غير قابل للاعوجاج . قَيِّماً ، أي أنه مستقيم في ذاته كما أنه لم يعره اعوجاج في أي ناحية من نواحيه ، ولا أي معنى من معانيه وهو قيّم على الكتب السابقة كلها ؛ لأنه مهيمن عليها يبين ما نسخ منها ، وما لم ينسخ ، وما كان فيه تحريف ، وما نسي ، وما بقي ، وهو قيم على مصالح الناس ، ودفع مفاسدها ، وقيام بنائها الصالح ، ومنظم الجماعات الإنسانية على قواعد الأخلاق والفضيلة ، وإبعاد المفاسد والرذائل . وإذا كان لإقامة بناء اجتماعي سليم ، وليستقيم الناس في معاشهم ومعادهم ، ففيه بيان الأحكام التكليفية لهم وما يجب يوم القيامة ، فإن العصاة لا يستقيمون إلا إذا كان أمامهم عذاب يوم القيامة ، قال تعالى : لِيُنْذِرَ بَأْساً شَدِيداً مِنْ لَدُنْهُ ، أي أن نزوله بما فيه من أخبار البعث والنشور وبما فيه من أحكام تصلح الناس في عامة أمورهم ، كان لا بد أن ينذر بأسا شديدا ، والإنذار له مفعولان وهو هنا له مفعولان : أولهما محذوف مع تقديره في الكلام ، وهو ( الناس ) ، وثانيهما
--> ( 1 ) يسيخ - هكذا بالخاء - يرسخ . القاموس المحيط ( ساخ ) .