محمد أبو زهرة
4486
زهرة التفاسير
موجود ، وهو بَأْساً شَدِيداً ، والمراد العذاب الموصوف بأنه بأس شديد ، فأطلق الوصف وأريد الموصوف ، وفسر بعض العلماء البأس بأنه العذاب العاجل الذي لا يتأخر لحظة عن ميقاته ، وهو آت لا محالة وكل آت فهو لا بد عاجل ، لا يتخلف أبدا . وقوله تعالى : مِنْ لَدُنْهُ الضمير يعود على اللّه تعالى ؛ من عند اللّه تعالى ، وفي الحكم بأنه صادر عن اللّه تعالى آت من عنده إرهاب بهذا العذاب ؛ لأنه آت من عند الواحد القهار ، وبيان لشدته ، وتأكد وقوعه ، فلا مناص منه ، ولا سبيل للابتعاد عن وقوعه . وكما أنه منذر لمن عصى ، فهو مبشر لمن أطاع ، فلا جدوى في الإنذار إن لم يكن معه تبشير ؛ لأنه يكون تحذيرا لمن يغوى وتبشيرا لمن يفعل الصالحات ، فهو تخويف وتشجيع وتحريض ؛ ولذا قال تعالى : وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً حَسَناً التبشير الإخبار بما يسر ولا يضر ، وعبرنا بالموصول للإشارة إلى أن الصلة هي السبب في هذا الجزاء ، والصالحات هي الأعمال التي يقصد بها وجه اللّه ، وطلب الخير والنفع وأن تكون القلوب طيبة سليمة ، فهي التي تصلح بها الأعمال وهي التي بها تفسد ، ويلاحظ هنا أنه ذكر الأعمال الصالحة ولم يذكر الإيمان ؛ لأن الإيمان مقدر لأنه أساس الخيرات ، ولأنه عمل القلوب فهو داخل في عمل الصالحات ، وذكر سبحانه الجزاء فقال : أَجْراً حَسَناً ، تكرم اللّه تعالى فسمى الجزاء أجرا وكأنه ثمن لخير قدّم مع أن الهداية من فضل اللّه ورحمته ، للإشارة إلى أن اللّه كريم حليم ، يمن بالخير ويجازى عليه ، ووصف الأجر بأنه حسن ، أي أجر يستحسن ويحب ويرغب فيه ، ويطلب لأنه في مظهره حسن ، وفي حقيقته نعمة دائمة ، ولقاء للّه ورضوان منه ، وهو أعظم ، وكل ذلك تشمله كلمة حسن . وإن هذا الأجر الحسن هو الجنة التي يخلدون وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها . . . ( 108 ) [ هود ] ؛ ولذا قال تعالى :