محمد أبو زهرة
4551
زهرة التفاسير
ويتأمل ، بل سارع بالإعراض ، والتولي عنها ، والفاء للترتيب والتعقيب ، أي أنه رتب على التذكير الإعراض السريع من غير تأمل فيما ذكر به وَنَسِيَ ما قَدَّمَتْ يَداهُ ، من كفر وظلم وأكل مال الناس بالباطل ، وتطفيف في الكيل والميزان ، نسي هذا في مقام التذكير بآيات اللّه تعالى وكمال سلطانه ، نسي ما قدمه من شر ولم يفتح بابا للاستغفار والإقلاع ، والتعبير بما قدمت يداه ، يراد به ما قدم ، وعبر باليد وهي الجزء عن الكل - وذلك من المجاز المرسل - لأن ذلك الجزء له مزيد اختصاص من بين الأجزاء لأنه أكثر الشر يكون به . وقد بين سبحانه حالهم وأنهم يصبحون غير قابلين للهداية ، فقال : إِنَّا جَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذانِهِمْ وَقْراً الأكنة الأغلفة والحجب المانعة ، والوقر الثقل في الأذن ، والمعنى في الإجمال جعلنا حواجز تمنع أن يصل نور الحق إلى القلوب لتفقهه وينفذ إلى إدراكها ، والإذعان له ، والفقه إدراك الأمر والنفوذ إلى غاياته وما يدعو إليه ، وقوله : أَنْ يَفْقَهُوهُ في مقام المجرور بلام محذوفة ، وكثير ما يحذف حرف الجر في أن وما بعدها ، أي جعلنا الحجب المانعة من أن يفهموه . والكلام فيه تشبيه بالاستعارة التمثيلية ، شبهت حالهم في الإعراض عن الحق بحال من وضع على قلبه حجب تمنع النور أن يصل إليها ، وحال من وضع على أذنه ثقل فلا يسمعه ، وجرى ذلك مجرى الأمثال في القرآن الكريم ، وجملة إِنَّا جَعَلْنا منفصلة عن الجملة قبلها لأنها في مقام التعليل لها . وإن النتيجة لذلك أنهم لا يهتدون ؛ ولذا قال تعالى : وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدى فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذاً أَبَداً ، الخطاب للنبي صلى اللّه عليه وسلم ، أي إذا كانوا على هذه الحال من أن منافذ الحق قد سدت على أسماعهم وقلوبهم ، فإن تدعهم إلى الهدى فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذاً أَبَداً ، أي ما داموا على هذه أو ما داموا في الدنيا وليس هذا تيئيسا للنبي صلى اللّه عليه وسلم من إيمانهم فلا يدعوهم ، ولكنه بيان له لكي لا يرجو إيمانهم بطرد الذين يدعون