محمد أبو زهرة

4552

زهرة التفاسير

ربهم بالغداة والعشى يريدون وجهه ، واليأس من إيمان قوم لا يستدعى ترك الدعوة بل يوجب دعوة غيرهم ، والاستمساك بمن آمنوا . وقد بين سبحانه أن الشر كثير في هذه الدنيا ، فقال عزّ من قائل : وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤاخِذُهُمْ بِما كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذابَ بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلًا ( 58 ) . وَرَبُّكَ عبر بربك للإشارة إلى أنه الخالق المربى القائم على عباده ، القيوم على أمورهم الْغَفُورُ الذي من شأنه المغفرة لعباده يعفو عن كثير ولا يأخذ بكل ما فعلوا ، وقدمت المغفرة على الرحمة ؛ لأن التخلية مقدمة على التحلية ، فالتطهير مقدم على التجميل ، وقوله تعالى : ذُو الرَّحْمَةِ و ( ذو ) بمعنى صاحب ، فالمعنى صاحب الرحمة ، أي أن الرحمة تلازم ذاته العلية وتختص بها ، فلا رحمة إلا منه ، وغيره لا رحمة عنده فاللّه وحده هو الذي يملك الرحمة ، وما عند غير اللّه لا يعد رحمة بالنسبة لما عنده ، إنما يكون أمرا نسبيا ، والرحمة الحق لا تكون إلا من عند اللّه ، فهو خالق الوجود وخالق الرحماء ، فكل رحمة هي منه . وإن من رحمته مغفرته ، ومن رحمته أنه يمهل حتى تكون التوبة النصوح ، وتوبة العبد أحب إليه ، ومغفرته أقرب عنده ؛ ولذا قال سبحانه : لَوْ يُؤاخِذُهُمْ بِما كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذابَ هذه الجملة السامية كالنتيجة لكون اللّه تعالى غفورا ذا رحمة ؛ إذ إنه لذلك لم يؤاخذهم بما كسبوا من شر مستطير وقت أن وقعوا بل أمهلهم وأعطاهم زمانا للتوبة ، أو لمضاعفة ما يقترفون ، ولأنها نتيجة لما قبلها كانت غير متصلة بها بالعطف ، وعبر سبحانه وتعالى بالماضي في قوله تعالى : بِما كَسَبُوا للإشارة إلى أنه كثير يكفى لأشد العقاب ، لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذابَ وتعجيل العذاب هو العذاب الدنيوي ، وهذا يشير إلى أن أهل مكة ارتكبوا من الشر بالكفر ، والإيذاء والفتنة في الدين والاستهزاء بآيات اللّه وبما جاء به محمد صلى اللّه عليه وسلم ما يستحقون به أشد العذاب ، وأن ينزل بهم ما نزل ، ولكن اللّه سبحانه أراد أن يكون محمد خاتم النبيين ، وأن تكون رسالته دائمة بمن يؤمنون ، فلا ينزل سبحانه وتعالى