محمد أبو زهرة

4541

زهرة التفاسير

مَرَّةٍ . . . ( 94 ) [ الأنعام ] ، أكد سبحانه وتعالى مجيئهم ب ( اللام ) ، و ( قد ) وأنهم معاينون وقوله تعالى : كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ فيه إشارتان : الإشارة الأولى - أنهم يجيئون مجردين من كل نسب وحال من أحوال الدنيا التي كانوا بها يتفاخرون من مال ونفر ، وهيل وهيلمان وسلطان . والإشارة الثانية - إشارة إلى قدرة اللّه الكامل المسيطرة ، وأنه أعادهم كما بدأهم ، كما بدأكم تعودون ، وقوله تعالى : بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِداً الإضراب هنا ب بَلْ معناه الإضراب عما كانوا عليه في الدنيا وإثبات الواقع المقرر الذي يرونه ، و زَعَمْتُمْ ، أي ظننتم بزعمكم لا بالحقيقة الثابتة ، ( أن ) هي المخففة من الثقيلة ، واسمها ضمير الشأن ، أي أنهم زعموا نفى البعث بنفي أن اللّه تعالى جعل لهم موعدا يبعثون فيه ، ويحاسبون على ما قدموا من خير وشر ، وإنه سيجئ معهم كتاب أعمالهم لم يغادر صغيرة ولا كبيرة ، وقال تعالى : وَوُضِعَ الْكِتابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يا وَيْلَتَنا ما لِهذَا الْكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصاها وَوَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِراً وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً ( 49 ) . وَوُضِعَ الْكِتابُ ، أي سجلت الصحف التي كتبت عليها أعمالهم ، فلا نقص فيها ، ولا محو ، بل هي ثابتة حجة عليهم دائمة باقية لا يناكرون فيها ، فالمراد من الكتاب جنس ما يكتب ويقيد عليهم ، فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ والفاء للسببية ، أي بسبب وضع الكتاب ترى المجرمين الآثمين قد أدركوا آثامهم ، وشقت نفوسهم فعلمتها فكانوا مشفقين خائفين مما اشتملت عليه ، وأصابتهم الحسرات ، وانتهوا لما فرطوا في جنب اللّه ، ونادوا الهلاك إذ لا مفر منه ، وهو نداء الحسرة والألم وَيَقُولُونَ يا وَيْلَتَنا ، أي يا هلاكنا النازل بنا ، كما يقول النادم يا حسرتا ، وقد كانوا ينادونها أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يا حَسْرَتى عَلى ما فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ . . . ( 56 ) [ الزمر ] ، وكان ذلك النداء لأنهم رأوا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة ، ما لِهذَا الْكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصاها ما لهذا الكتاب ،