محمد أبو زهرة
4542
زهرة التفاسير
أي شئ ثبت لهذا الكتاب ، واختص به لا يترك أمرا صغيرا دقيقا ، ولا كبيرا إلا أحصاه ، أي أنه أحاط إحاطة كاملة بموضوع ، وهو أعمالهم وَوَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِراً مهيئا ينادى بآثامهم ، وإدانتهم ليتقدموا للحساب العسير الذي نهايته العقاب بالعذاب الأليم . وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً فلا ينقص من عامل خير ، ولا تزر وازرة وزر أخرى ، ولا يخفى شئ من عمل ، بل يجازى كل بما كسب إن خيرا فخير ، وإن شرا فشر ، وكل يجازى بمقدار ما عمل . وإن ما توعد به إبليس عباد اللّه في قوله : قالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ( 82 ) [ ص ] يذكر اللّه عباده المؤمنين بهذه العداوة ليحتاطوا ، وليجتنبوا وسوسته فيقول تعالى : وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَ فَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا ( 50 ) . إِذْ ظرف للماضى منصوب بفعل محذوف تقديره ، اذكر ذلك الوقت الذي قُلْنا فيه لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ ، وذكر هذا الزمن بأحداثه وما قيل فيه استحضار لصورته ، وكيف عصى إبليس ربه ، وعاند في الخضوع لأمر اللّه تعالى بالنسبة لآدم ، واستحضاره استحضار لعداوته وما هدد به ذريته ، وما حاول إغواءهم وكل ذلك يوجب النفرة ، وقد كان من الجن وليس من الملائكة الأطهار ، فكان يجب تجنبه وألا يستمعوا إلى وسوسته فإنها تؤدى إلى المعصية كما أذلت أباهم آدم للأكل من الشجرة ، ولذا قال تعالى : أَ فَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِي ، الفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها ، وقد تأخرت عن الاستفهام ؛ لأن الاستفهام له الصدارة ، والتقدير أفتتخذونه بعد أن علمتم أنه وذريته أولياء نصراء موالون من دون اللّه وبدل ، وهم أعداء ليسوا بأولياء ، بئس بدلا لكم أنتم معشر الذين ظلموا أنفسهم ، وأظهر في موضع ضمير الخطاب ، فقال : بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا ، بدل أن يقول بئس بدلا لكم ، للإشارة إلى أنهم بهذا ظلموا أنفسهم ، ووضعوا الأمور في غير مواضعها ، وكانوا كافرين ظالمين .