محمد أبو زهرة

4533

زهرة التفاسير

أعطاك وإن حق النعمة شكرها لا كفرها ولا التطاول بها ، والمفاخرة على غيرك والاعتزاز بها من غير عزة اللّه سبحانه وتعالى . ثم أخذ بعد ذلك يرد على مفاخرته راضيا راجيا ، إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مالًا وَوَلَداً ( 39 ) فَعَسى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْراً مِنْ جَنَّتِكَ ، إِنْ تَرَنِ حرف شرط وفعله وجوابه ، فَعَسى والفاء داخلة فيه ؛ لأنه فعل طلب للرجاء ، و أَنَا ضمير الفصل فيه تأكيد لحديث المتكلم عن نفسه ، وكان التأكيد لبيان أنه أقل منه في نظره ، أي إن ترني أنا في نظرك أقل منك ، فإن اللّه هو الرزاق ذو القوة المتين ، لا يمنعه أحد من عطاء يشاؤه ، فعسى ربى الذي خلقني وكفلنى وقام على شئونى أن يؤتينى خيرا من جنتك التي تفاخر بها وتغتر بها ، إني أرجو اللّه وأرجو ما عنده مؤمنا بأنه هو الذي يعطى ويمنع فإن أعطانا شكرنا ، وإن منعنا صبرنا ، وهو خير لنا . وقال : وَيُرْسِلَ عَلَيْها حُسْباناً مِنَ السَّماءِ ، الضمير في عَلَيْها يرجع إلى الجنة ؛ لأنها المذكورة وحدها في قوله تعالى : فَعَسى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْراً مِنْ جَنَّتِكَ والحسبان هو العواصف من السماء التي يطلق عليها مرامى السماء والحسبان الصاعقة ، ويطلق على العذاب ، ولعل أقرب المعاني هو الصاعقة المحرقة للزرع والشجر والنخيل وغيرهما من أنواع الأشجار المثمرة وغير المثمرة ، ويكون المعنى عسى أن يعطيني اللّه منه خيرا من جنتك ، ويرسل على جنتك صواعق من السماء فَتُصْبِحَ الجنة خالية من الأشجار صَعِيداً زَلَقاً ، أي صعيد أملس لا شجر فيه ، ولا ينبت شجرا ، ولا كلأ ، و زَلَقاً هو الذي لا يثبت عليه قدم وهو كناية عن أنه خال من كل نبات وشجر وهو بلقع لا ثمر فيه . هذا هو حسبان السماء لا يبقى ولا يذر ، وعسى أن يجف الماء فلا تنزل صاعقة ماحقة ، ولكن يجف الماء ، وهو مادة الحياة للنبات ، ولذا قال تعالى عن الرجل المؤمن : أَوْ يُصْبِحَ ماؤُها غَوْراً فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَباً ( 41 ) .