محمد أبو زهرة

4534

زهرة التفاسير

أي أن ماءها يغور في الأرض ويختفى من سطح الأرض إن كان ماء عيون وآبار ، أي على أعماق بعيدة من باطن الأرض فلن تستطيع الحصول عليه ، وهذا معنى قوله تعالى : فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَباً ، أي يتعذر عليك طلبه ولا تجده ولا تجد عوضا عنه ، لا تجد لها سقيا ولا رعيا وحينئذ يجف لك الشجر والزرع ويصير حطاما . وقد بين سبحانه أن ما توقعه المؤمن صدق ، ونزل الدمار بالجنتين فقال تعالى : وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلى ما أَنْفَقَ فِيها وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها وَيَقُولُ يا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَداً ( 42 ) . قوله تعالى : وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ يقال أحاط الجيش بالعدو حتى سد عليه مسالك النجاة ، ثم صارت تطلق في اللغة بمعنى الهلاك مجازا مشهورا وأصبح البعير يحاط به بمعنى تعرضه ، ولقد قال تعالى في الذين يتعرضون للهلاك ، . . . إِلَّا أَنْ يُحاطَ بِكُمْ . . . ( 66 ) [ يوسف ] ، ويكون في الكلام مجاز بالاستعارة شبه هلاك الزرع هلاكا مستغرقا لم يدع فيه شيئا قائما بذاته بإحاطة الجيش بعدوه واستئصاله بحيث لم يفلت منهم بالنجاة أحد ، والجامع في المجاز هو الإحاطة والشمول ، وفي هذا المجاز إشارة إلى المغرور بهذه المعاندة كأنه في حرب مع اللّه سبحانه ، وبعد هذه الإحاطة المهلكة المستغرقة لكل الزرع أخذ يعض بنان الندم ، وقال اللّه تعالى في ذلك : فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلى ما أَنْفَقَ فِيها الفاء فاء السببية والعطف المفيد للترتيب والتعقيب ، وتقليب الكف كناية عن الإحساس بالندم ، وعن الإحساس بالخسارة فهو يقلب كفيه نادما ، ويحس بالخسارة في النفقة التي أنفقها ، وهكذا المغتر من غير مبرر للغرور يكون في ندم على غروره ، وفي حسرة على ما أنفق من مال ذهب هباء منثورا ، أو أدراج الرياح ، ويتمنى الأماني ويقول : يا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَداً ، ليت للتمنى ، فهو يتمنى أن لم يكن قد أشرك ، ونادى يا لَيْتَنِي كأنه ينادى ليت ، كأنه يقول : يا ( ليت ) تعالى فهذا وقتك الذي