محمد أبو زهرة
4522
زهرة التفاسير
كان المشركون يتبرمون بضعاف المؤمنين ، ويقولون كما قال أسلافهم لنوح عليه السّلام : . . . وَما نَراكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَراذِلُنا بادِيَ الرَّأْيِ . . . ( 27 ) [ هود ] ، وكانوا في عنجهية الشرك وطغواهم ، قالوا عن أتباع محمد صلى اللّه عليه وسلم من الموالى والضعفاء متقززين : إن هؤلاء تفيح منهم رائحة الضأن ، فبين اللّه تعالى فضل هؤلاء وأنهم أتباع النبيين الذين بهم يقوم عمود الدين ، ويكونون العصابة الأولى التي تكون قوته ، وأنه يجب على النبي صلى اللّه عليه وسلم أن يحبس نفسه عليهم ، ويصبر نفسه عليهم محتسبا ذلك عند اللّه ؛ ولأنهم القوة والدعامة ، فقال تعالى : وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ ، أي احبس نفسك ، واجعلها تصبر على معاشرتهم ، وملازمتهم فإنهم قوة الحق وقوة الإيمان ، وسيكون منهم الدعامة ، والنصرة ، وسيركبون بالحق على رقاب هؤلاء ، كما سيكون في بدر ويركب عبد اللّه بن مسعود على رقبة أبى جهل يحتزها . وعبر بالموصول ؛ لأن الصلة وهي قوله تعالى : يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ ؛ لأن هذا السبب في التزامهم وحبس نفسه عليهم ؛ لأنهم بهذا هم الذين أجابوا الدعوة وهم يعبدون اللّه بالغداة والعشى ، وهم لا يريدون جاها ولا مالا ولا سلطانا ، ولكن يريدون وجه اللّه لا يريدون سواه ، فهم قد انصرفوا إليه سبحانه ، وهم بذلك قد صاروا ربانيين خالصين للّه تعالى ، ثم قال سبحانه بعد أن أمره بأن يكون قريبا منهم : وَلا تَعْدُ عَيْناكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا ، أي لا تقتحمهم عنك ، وتجاوزهم معرضا عنهم تريد الذين يتزينون بزينة الحياة الدنيا ، أي تعدوهم عيناك بأسمالهم وفقرهم تريد من عندهم زينة الحياة الدنيا ، وهذا النهى يتضمن أمرين : الأمر الأول - الحض على تكريم هؤلاء الضعفاء ومعاونتهم وإعزازهم والاعتزاز بهم . الأمر الثاني - أن يجعل عينيه تظهر فيها مظاهر الإكبار لا مظاهر الازدراء ، وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا وَاتَّبَعَ هَواهُ .