محمد أبو زهرة

4497

زهرة التفاسير

كان الإيواء إلى الكهف فرارا من أذى المشركين ، ولهم في ذلك الوقت القوة والسلطان ، والعذاب مسلط على رقاب المؤمنين ، وخصوصا القلة الشابة منهم ، ولكن النجاة قد وفرها اللّه تعالى لهم فأبعدهم عن الأحياء المشركين - وإن كانوا أحياء - ولتتم لهم الطهارة التامة ، وتتم بهم الحجة الكاملة ، وهو صنيع اللّه تعالى ، فقال : فَضَرَبْنا عَلَى آذانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَداً ( 11 ) . ( الفاء ) لعطف ما بعدها على ما قبلها من غير تراخ ، فهم أووا إلى الكهف فضرب اللّه على آذانهم وقد عرّف اللّه الفتية فقال : إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ وتعريفهم لأنهم معهودون في الذكر في قوله تعالى : أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كانُوا مِنْ آياتِنا عَجَباً ( 9 ) . والضرب على الآذان مجاز ، فإنه يقال ضرب الحجاب إذا أغلق البيت ، ويقال بنى الخباء إذا سده ، فكنى بقوله تعالى : فَضَرَبْنا عَلَى آذانِهِمْ فِي الْكَهْفِ ، أي سددنا هذه الآذان بحجاب وضربنا عليه ضربا محكما لكيلا يصل إلى داخلها أي صوت ينبههم من رقادهم ، ويصح أن يقال شبهت حالهم في عدم السماع لأي صوت مع حياتهم بمن سدت آذانهم بحجاب قد ضرب عليها ، فلا يصل إليها صوت مهما يكن عاليا أو مزعجا ، فهم أحياء لا يحسون بالأحياء ، وقوله تعالى : فِي الْكَهْفِ فيه إشارة إلى أن في الكهف ذاته يصعب عليهم فيه الإحساس بما عند الأحياء من عذاب وإيلام ، وقد استمر ذلك أمدا طويلا ، ليس يوما ولا شهرا ، ولا سنة بل سنين عدة ؛ ولذا قال تعالى : سِنِينَ عَدَداً فجعل العدد وصفا للمعدود ، أي سنين كثيرة بالنسبة لنا ، أما بالنسبة للّه تعالى فهي ليست شيئا مذكورا ، ويقول الزمخشري ومن تبعه : إن معنى عَدَداً ، أي ذوات عدد ، أي أنها تعد بالسنين عدا ، وقد قالوا إنه إذا قلّ العدد لا تحتاج إلى عد ؛ لأن الأصابع تحصيها ، أما إذا كثر العدد ، فإنه يحتاج إلى العد والحساب بعد هذه السنين الطوال التي لا تحصى إلا بالعد والحساب أيقظهم اللّه من رقادهم فقال تعالى : ثُمَّ بَعَثْناهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصى لِما لَبِثُوا أَمَداً ( 12 ) .