محمد أبو زهرة
4498
زهرة التفاسير
العطف ب ثُمَّ في موضعه ؛ لأن الزمن تطاول بين دخولهم الكهف وضرب اللّه تعالى على آذانهم فقد كانت سنين كثيرة لا تعرف إلا بالعد والإحصاء ، وسمى اللّه تعالى سماعهم بعد أن ضرب على آذانهم بعثا ، مع أنه ليس إلا أن يسمعوا بعد أن لم يسمعوا من غير أن يفقدوا حاسة السمع ، ولكن كان هناك حجاب يمنع من السماع بإرادة اللّه تعالى ، وسمى ذلك بعثا ؛ لأنه مظهر الحياة بعد أن اختفت ، فمع أنهم أحياء واستمروا أحياء طول هذه المدة ، وقد يقال في اللغة : بعثه ، إذا أيقظه من نومه ، ولقد قال النبي صلى اللّه عليه وسلم في خطبته لأهله وعشيرته : « والله لتموتن كما تنامون ، ولتبعثن كما تستيقظون » « 1 » ، فبين البعث واليقظة بعد النوم مشابهة تجعل أحدهما كالآخر ، وخصوصا أن البعث هنا مع بقاء الحياة ، وإنما الذي غيّب الكلام والسماع هو الرقاد . وإنهم عندما استيقظوا بعد طول الرقاد ، اختلفوا على فريقين ففريق منهم قال : لَبِثْنا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ ، وقالت كثرتهم : رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِما لَبِثْتُمْ ، سمى اللّه تعالى الفريقين حزبين ؛ لأن الحزب ما ينحاز إلى أمر معين من دين أو حرب أو نصرة ، وحزب اللّه في دينه هم المفلحون ، كما قال تعالى : . . . أُولئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ( 22 ) [ المجادلة ] . كانوا في رقادهم لا يشعرون كم أمضوا من الوقت فقسم حدد وعيّن ، وقسم أكثر أربا ، وأشد تفويضا لم يهتموا ، فاللّه تعالى بين أن البعث سيعرفهم الحقيقة ؛ لأنهم يختبرون بالحياة ، ويعلمون في أي زمن يعيشون وفي عهد أي حاكم يكونون بعد هذا الرقاد ، ولذا قال تعالى : لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصى لِما لَبِثُوا أَمَداً إن اللّه تعالى يعلم كل شئ يعلم ما كان وما يكون وما هو كائن ، فاللّه تعالى لا يعلم جديدا ، ولكن المراد أن يظهر ما يعلمه اللّه تعالى واقعا يعلمونه ، فمعنى لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ ، أي ليظهر علم اللّه تعالى واقعا محسوسا يعلمه الناس ، بعد أن كانوا يظنون ويحدسون .
--> ( 1 ) سبق تخريجه .