محمد أبو زهرة

4001

زهرة التفاسير

الشرك في كل العصور في إنكارهم رسالات اللّه ، قالُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونا عَمَّا كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا ، إِنْ هنا نافية وهي مع الإثبات بعدها بالاستناد تفيد القصر ، أي أنتم معشر الرسل مقصورون على البشرية ، لا يصح أن تتعدوها إلى ادعاء أن اللّه يخاطبكم من عليائه وأنكم رسله إلينا ، كما قال مشركو مكة : . . . ما لِهذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْواقِ . . . ( 7 ) [ الفرقان ] ، وجاء على لسان المشركين قولهم : مِثْلُنا ، أي أنكم تماثلوننا في البشرية ونحن لسنا أنبياء ، فلستم بأنبياء مثلنا ، وإنكم تحاولون أن تصدونا عما كان يعبد آباؤنا من أوثان ، وكأنهم بهذا يستندون إلى حجة واهية من حججهم الداحضة ، وهي أنهم يتبعون آباءهم ، وذلك كاف لاستمرارهم في غيهم . وقرنوا قولهم هذا بأن الرسل لم يقدموا حجة ، فأنكروا ما جاء إليهم من معجزات دالة على رسالاتهم تعنتا ولجاجة في الخصومة ، وقالوا : فَأْتُونا بِسُلْطانٍ مُبِينٍ ، أي بدليل واضح بيّن يلائمنا ، والسلطان هنا الحجة ، وكثيرا ما عبر القرآن الكريم عنها بالحجة ؛ لأنها تجعل للخصم سلطانا على خصمه يلزمه بالقبول والخضوع لما يقول . تنبيهان : أولهما : أن اللّه تعالى جمع أقوال الرسل في قول واحد ، وهم كانوا في أجيال مختلفة ، وجمع أقوال المشركين في قول واحد ؛ لأنهم جميعا على قول واحد ، وكأنه نابت من منابت الشرك المتحدة ، فيكون إنتاجها واحدا ، ولبيان أن الرسل أجيبوا جميعا بمثل ما أجيب فليتأسّ وليصبر ، فإن اللّه لا يضيع أجر الصابرين . ثانيهما : أننا خرّجنا قوله : لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ رجحنا أن مِنْ بيانية وسقنا ما نحسبه دليلا على الترجيح ، ومن الحق علينا أن نذكر رأيا مخالفا لرأينا وهو رأى إمام البلاغة الزمخشري ، فهو يرجح أن مِنْ تبعيضية ، ولننقل