محمد أبو زهرة

3924

زهرة التفاسير

وأطلقت الأودية وأريد ماؤها من قبيل إطلاق المحل وإرادة ما يحل فيه ، مثل قوله تعالى : فَلْيَدْعُ نادِيَهُ ( 17 ) [ العلق ] أي أهل ناديه ، وقيل : سالت الأودية وأريد الماء ؛ لأن السيل شديدا عنيفا قد طم ، حتى اختفت الأودية من شدته فصار الناظر لا يرى إلا المياه المتدفقة ، وكان حكمه على ما يراه ، لا على محله ، وقوله تعالى : بِقَدَرِها وقرئ بسكون الدال لا بفتحها ، والمراد بمقدار ما يملؤها ، وقيل : بما قدر لها من ماء يكفى الناس في معاشهم وزرعهم وضرعهم ، ويصح إرادة المعنيين ، والنص يحتمل الجمع ، ولا تعارض بينهما . و ( الزبد ) ما يحمله الماء عند جريانه وجيشانه من أتربة وغيرها ، وإن هذا بلا ريب يذهب ولا يبقى ، بل أحيانا يكون رغوة يبددها الهواء ، فهي كأزيز « 1 » الموج يصطخب ولا يبقى منه شئ . ولقد قال تعالى توجيها لأمر آخر ، وهو الفلز عندما يفتن ليخرج ما فيه من خبث تعلق به من باطن الأرض فقال سبحانه : وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ ( مما ) مدلولها الفلزات من المعادن وهي القابلة للطرق والسحب أو التي تنصهر بالنار كالذهب والفضة والنحاس والحديد والقصدير وغيرها ، و فِي النَّارِ الجار والمجرور متعلق بمحذوف يفهم من القول ، والمعنى : مما يوقدون عليه ملقى في النار ، وقوله : ابْتِغاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ أي مما يلقى في النار الموقدة بقصد طلب حلية كالذهب والفضة أَوْ مَتاعٍ ، أي أمر ينتفع به كالأوانى ، وأدوات الحروب وغير ذلك زَبَدٌ مِثْلُهُ ، أي أن خبث الفلزات يكون كالزبد الذي يجئ من إثارة الماء للتراب واصطخاب الأمواج . والجفاء هو ما يلقيه السائل بعيدا ليصفو ، وذلك من قولهم جفأه السيل ، وقد مثل اللّه تعالى المهتدى بالبصير ، والضال بالأعمى ، والعبادة الحقة بالنور ، والباطلة بالظلمات في الآية السابقة . وفي هذه الآية مثّل الحق بالماء الذي ينزل من

--> ( 1 ) الأزيز : كل صوت يأتي من شدة الحركة ، فيقال أزيز الموج ، وأزيز الطائرة ، وأزيز النحل ، لذلك .