محمد أبو زهرة

3925

زهرة التفاسير

السماء فتسيل منه أودية مختلفة تأتى بالزروع والثمار مناوبة ، ولذا نكر أودية ، وشبه الحق بالفلز الخالص ، والزبد الذي يكون في حال جيشان الماء ، ويكون من إيقاد النار على الفلز ، أي شبه الباطل بهذا الزبد الذي لا يبقى ، بينما الماء والفلز الخالص يبقيان نافعين دائمي النفع ووجه الشبه بين الحق ، والفلز والماء ، أنها مفيدة دائما ، وباقية لغذاء الإنسان ، ومتاعه وحليه ، وأنها جوهر صالح . ووجه الشبه بين الباطل والزبد ، أولا : أنه لا بقاء لهما ، ثانيا : أنهما لا حقيقة لهما ، وثالثا : أن السلامة في الخالص منهما . ويصح أن يكون التشبيه تشبيها تمثيليا ، بأن يشبه حال الحق في بقائه ودوامه بالماء والجوهر الصافي من حيث النفع والبقاء والدوام ، ويشبه حال الباطل من حيث إنه لا حقيقة له ، وإذا كانت له حقيقة فهو خبث تجب إزالته وتطهير الجسم النافع ، شبه حال الباطل بالزبد الذي يكون من الماء ، أو يكون من إيقاد الفلز في النار ؛ لأنه لا حقيقة لها ، وإذا كانت لها حقيقة فهي خبث يجب زواله . وقد قال تعالى : كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْباطِلَ كذلك يبين اللّه الحق والباطل فيشبه الحق بالماء والفلز ويشبه الباطل بالزبد ، وقد بين سبحانه وجه الشبه ، فقال : فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً وَأَمَّا ما يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ وقد ذكر في الأول المشبه به لتأكيد ذهاب الباطل ، وفي الثاني ذكر المشبه وهو الحق لبيان بقائه ونفعه وثباته ، وأن النهاية دائما له لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْباطِلَ . . . ( 8 ) [ الأنفال ] ، وقد ختم سبحانه وتعالى الآية الكريمة بقوله : كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ . والإشارة إلى بيان مثل الحق بالماء والفلز ، ومثل الباطل بالزبد الذي لا يبقى ، والمعنى كهذا المثل الذي بين اللّه تعالى به الحق والباطل يبين الأمثال المشابهة ، ويبين المعاني الجليلة ، والحقائق الثابتة ، ويهدى بها من يشاء من عباده .