محمد أبو زهرة
3995
زهرة التفاسير
إِنَّ عَذابِي لَشَدِيدٌ هذا لأن الشكر جواب القسم ، وهو دليل على الجواب ، وليس نصا فيه لأن الجواب بمدلول اللّه ، ولكن إن كفرتم لأعذبنكم ، إن عذابي لشديد ، والمعنى إن شكرتم أجرتم لا محالة ، وزادكم اللّه نعمة ، وإن كفرتم منعتم وعوقبتم ، وإن اللّه تعالى شديد شدة بالغة الغاية . وإن هذا يدل على أن الطاعة تعود عائدتها على من قام بها ؛ لأن شكر المنعم ، وشكر النعمة يزيدها ، وإن كفر النعمة معه عذاب أليم ، واللّه غنى عن العباد ؛ ولذا قال تعالى : وَقالَ مُوسى إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ ( 8 ) . صرح اللّه سبحانه بأن ذلك القول من موسى لقومه ، ولم يصرح بأن قوله وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ فاحتمل أن يكون الكلام منسوبا لموسى ، أو هو من كلام اللّه رأسا ، والأذان هو لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ . . . إلى آخر الآية ، وسواء أكان الكلام منسوبا لموسى ، أم إلى اللّه ، فالإيذان بالزيادة في الشكر والعذاب في الكفر من اللّه ، أما الكلام في هذه الآية فمنسوب لموسى قال لقومه من بني إسرائيل ، أو هم وغيرهم . وفي هذا النص إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً فيه بيان أن الشكر والكفر مغبتهما تعود على الناس والثقلين جميعا ، ولا تعود على اللّه تعالى في شئ ؛ ولهذا قال : فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ وهذا ينبئ عن جواب الشرط ، والمعنى إن يكفر الناس والثقلان فإن اللّه لا يضيره شئ ، ولا ينقص من ملكه ، إن اللّه لغنى حميد ، أي لا يحتاج إلى عباده وهو حميد ، أي محمود من الملائكة ، ولقد قال البيضاوي في تفسير كلمة حَمِيدٌ : « مستحق للحمد في ذاته ، محمود تحمده الملائكة وتنطق بنعمه كل المخلوقات ، فما ضررتم بالكفر إلا أنفسكم حيث حرمتموها مزيد الإنعام وعرضتموها للعذاب الشديد » « 1 » .
--> ( 1 ) تفسير البيضاوي : 3 / 368 .