محمد أبو زهرة

3993

زهرة التفاسير

أن فرعون في أكثر الآيات المثبتة لظلمه القاسى الغاشم لا يذكر فرعون وحده ، إنما يذكر ملؤه أو آله ، أو غير ذلك مما يدل على المؤازرين له ، وهذا ينبئ بمعنى أن سنة اللّه تعالى في خلقه أن الطغاة لا يطغون بذات أنفسهم ، ولكن بمؤازرة من الأشياع والأتباع ، ولو كانوا مرشدين ما كان منهم ذلك الظلم الغاشم فهم آثمون معهم . وقد كانت النجاة أو الإنجاء من أقسى المظالم الإنسانية ، بشاعة وقسوة ، كما حاول من ساروا على دأبه - أسكنهم اللّه معه في السعير ، فهم وهو على سواء ، إلا أنهم أشد ؛ لأنهم جاءوا بعد أن جاءتهم البينات . و إِذْ بدل من الأولى ، وقد بين اللّه تعالى ما أنجى منه فقال : يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْناءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ . يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ ، أي يذيقونكم أشد العذاب سوءا من استرقاق ، وإذلال وتكليفكم المشاق الغلاظ الشداد ، أو استباحة لكرامتكم ، وإبعادكم عن أماكن السلطان وجعلكم أرذالا تابعين ، ولم يجعل منكم سادة متبوعين ، حتى أنقذكم اللّه من هذا فجعلكم سادة أنفسكم ، وعبر عن ذلك سبحانه وتعالى بقوله : . . . وَجَعَلَكُمْ مُلُوكاً . . . ( 20 ) [ المائدة ] ، أي مسيطرين على أنفسكم ولستم خاضعين لغير اللّه تعالى ، وقال سبحانه وتعالى مع هذا الإذلال والاسترقاق يُذَبِّحُونَ أَبْناءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ في سورتي البقرة والأعراف . . . يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ يُقَتِّلُونَ أَبْناءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ . . . ( 141 ) [ الأعراف ] من غير ( واو ) ، فكان هذا تفسيرا لسومهم العذاب ، وهو بيان بأفصح أحواله ، وهنا جمع بين الاسترقاق والذل والتكليف بالمشاق والأهوال ، وبين ذبح الأبناء واستحياء النساء . وعبّر عن قتل الأبناء هنا بالذبح للإشارة إلى أنهم فعلوا ذلك ، وهم آمنون سالمون غير ثائرين ولا ناقمين ، فهم في غير اندفاعة ثورة ، ولكن في أمن ودعة ، يأتون إلى الطفل من حجر أمه أو بين لداته ويذبحونه ذبحا ، وحسبك أن تعلم أن أم موسى رضيت - بإلهام من اللّه - أن تلقيه في اليم مع رجاء اللّه تعالى ، عن أن تراه يذبح بين يديها .