محمد أبو زهرة

3973

زهرة التفاسير

الأمر الأول : أن مكرهم لا اعتداد به ، ولا ثمرة له في تحقيق الغاية التي أرادوها ، وهو تحويل الناس عن عقائدهم إذا آمنوا بها . الأمر الثاني : أن القلوب بيد الله ، وهو الذي يهديها ، وهو الذي يتركها تسير في مهواة الضلالة ، حتى تنهوى فيها . الأمر الثالث : أن الله مذهب كيدهم ، وجعلها في هباء ، وناصر أهله . وإن الله تعالى تدبيره منتج مثمر لا محالة ؛ لأنه يعلم ما تكسب كل نفس من خير أو شر ، وتتحدث به النفوس ، وما تكسبه الجوارح ، وهو وحده مقلب القلوب . قلنا : إن ذكر مكر السابقين لبيان العبرة للمشركين الذين عاندوا النبي صلى اللّه عليه وسلم ، ومحاولتهم فتنة المؤمنين لتحويلهم عن دينهم الذين ارتضوه ، وفيه إشارة إلى بطلان مكرهم ، وإلى أن مكر الله فوقهم ، وأنهم إذ يمكرون بالنبي صلى اللّه عليه وسلم ، إنما يقاومون بمكرهم مكر الله وتدبيره للمؤمنين أوليائه ؛ ولذا قال تعالى مهددا لهم : وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ الكفار ( ال ) فيها للعهد ، أي كفار العرب من مشركين ويهود ، ومن لفّ لفهم ، والسين لتأكيد وقوع الخبر في المستقبل ، والعلم الذي سيعلمونه علم معاينة ، لا علم خبر وإخبار ، إن تتوالى عليهم الهزائم هزيمة بعد هزيمة حتى تصير الأرض العربية كلها تحت ظل الإسلام الظليل ، ويخرج المشركون من رجس الوثنية ، والفساد اليهودي المنحرف ، وتكون الكلمة العليا لله ولرسوله ، وللمؤمنين ، ومن بقي على كفره يعلم علما آخر بعقبى الدار في جهنم للكافرين ، والجنة للمؤمنين . وقوله : لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ لمن جار ومجرور ، والمعنى لمن تكون عقبى الدار ، أي عاقبة هذه الحياة الدنيا التي تكون فيها هذه المغالبة بين الحق والباطل ، والكفر والإيمان ، وإن العقبى هي غلب الإيمان في الدنيا ، والجنة لمن آمن في الآخرة ، والنار لمن عصى ، والله سبحانه وتعالى أعلم .