محمد أبو زهرة

3974

زهرة التفاسير

ولقد اشتد المشركون في الإنكار ، ومالأهم على ذلك اليهود . وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا قُلْ كَفى بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ ( 43 ) . ذكر سبحانه بعض مكر المشركين وغيرهم التي يقصدون بها تحويل المؤمنين وفتنتهم عن دينهم ، فذكروا أنهم يقولون للنبي صلى اللّه عليه وسلم : لَسْتَ مُرْسَلًا ، فهم يسلمون بأن لله رسالة ، ولكن لست من أصحابها ، فالله لم يرسلك ، وهم بهذا ينكرون رسالة محمد صلى اللّه عليه وسلم ، وينكرون أن يكون له معجزة دالة على هذه الرسالة ، ويريدون آيات أخرى غير القرآن ، إذ لا يعدون القرآن آية ، وما كان للنبي أن يأخذ كلامهم أخذ من يعتبره ، وقد قام الدليل عليه بالتحدى ، وإدراك أهل الذكر منهم ما فيه من نسق ، ووثيق نظم ؛ ولذا أمر الله تعالى نبيه أن يقول لهم : قُلْ كَفى بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ ، أي كفا الله شهيدا بيني وبينكم ، فهو الحق وشهادته الحق ، وليست شهادته كلاما يردد ، ولكن شهادته معجزة تفحم ، وقد جاءت الخوارق تترى بشهادة الحق في كل ما ترون من حياته ، وما أحاط بها ، وما دبرتم وقد رد تدبيركم في نحوركم ، وقوله تعالى : كَفى بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ فيه تهديد لهم بما يكون لإنكارهم من عواقب وخيمة عليهم تنصر أهل الحق . ويصح أن تقول : شَهِيداً معناه حاكم ؛ لأن الشهادة تجىء بمعنى الحكم ، كما في قوله تعالى : . . . وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ أَهْلِها . . . ( 26 ) [ يوسف ] ، والمعنى وكفى بالله حاكما بيني وبينكم ، ويرشح لهذا المعنى عبارة بيني وبينكم ، فالحكم هو الذي يكون بين اثنين ، وأما الشهادة فتكون لأحد الفريقين على الآخر . وقوله تعالى : وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ الكتاب إما أن يراد جنس الكتاب ، ومن عنده علم الكتاب هو العالم بالكتب السماوية قبل تحريفها ، فإنها تشهد بنبوة محمد صلى اللّه عليه وسلم ، وتحكم بأنه رسول ، هذا التبشير بالنبي صلى اللّه عليه وسلم في التوراة والإنجيل ،