محمد أبو زهرة
3952
زهرة التفاسير
كل ما ذكروه وطلبوه من آيات لولا أنه من طبيعة غير طبيعتها ، ومنهاج غير منهاجها ، وهو أبقى وأخلد ، فما يطلبون هو حوادث تنقضى بانتهاء وقتها ، أما القرآن فباق خالد إلى يوم الدين ، يتحدى الأجيال كلها شامخا عاليا أن تأتى بمثله ، كما تلونا من قبل : قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً ( 88 ) [ الإسراء ] . يقول تعالى : وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتى ، أي لو ثبت أن قرآنا يقرأ ويتلى سيرت به الجبال ، فانتقلت من أماكنها ، وانفسحت عن شعابها لتتسع رقعة للزرع والغراس ، أو قطعت الأرض فتشققت - لا تكون منها بحار تجرى فيها المياه ، أو يكلم به الموتى بمعنى أنه يحييها ، ثم يكلمها ، وجواب الشرط محذوف يفهم من سياق القول ، وهو لكان هذا القرآن ، ولكن الكلام لا يسير الجبال ، ومع ذلك فهو أقوى تأثيرا ، وكان يمكن أن يؤثر في قلوب المشركين بأشد من ذلك ، لولا أن عنادهم حجر قلوبهم ، وكما قال سبحانه : لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ . . . ( 21 ) [ الحشر ] ، ولكن القلوب التي سكنها الشرك والكفر ، وهي كالحجارة أو أشد قسوة ، بل لله الأمر جميعا ، الاضراب للانتقال بين هذا إلى بيان أن اختيار المعجزات من أمر الله ، وله وحده كل الأمر . ويقول تعالى : أَ فَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعاً ، فسر كثير من المفسرين أن ييئس هنا بمعنى لم يعلم ، وساقوا شواهد من العربية للدلالة على ذلك ، وفسرها الزمخشري بذلك ، وبجواز أن تكون ييئس بمعنى اليأس ، وهو اليأس من إيمان المشركين ، ويزكى هذا قوله تعالى بعدها : أَنْ لَوْ يَشاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعاً ، ولنترك الكلمة له فهو يقول رضى الله تعالى عنه : « ومعنى أَ فَلَمْ يَيْأَسِ أفلم يعلم قيل هي لغة قوم من النخع ، وقيل إنما استعمل اليأس بمعنى العلم لتضمينه معناه ؛ لأن اليائس عن الشئ عالم بأنه لن يكون ، كما استعمل الرجاء في معنى الخوف ، والنسيان في معنى الترك لتضمن