محمد أبو زهرة

3949

زهرة التفاسير

ويصح أن تقول : إن الإشارة إلى إرسال النبي صلى اللّه عليه وسلم ، وهو المشبه به ، والمشبه هو إرسال الرسل إلى الأمم الأخرى ، والمعنى على هذا أن ما تعانيه من إنكار المنكرين في سبيل الحق الذي لا ريب عاناه من قبلك رسل سبقوك في أمم قد خلت ، فاصبر كما صبروا فلا تحسب أن من سبقوك وجدوا أرضا طيبة وقولا ولا كلاما مجابا ولا تسليما سهلا لا معاناة فيه . قوله : فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِها أُمَمٌ ، أي أمة الشرك التي قد مضت من قبلها أمم على مثل ما هي عليه من إنكار وجحود ولاقى رسلهم منهم مثل الذي تلاقى من عنت واستهزاء وسخرية ، وإيذاء لمن اتبعوك ، وفتنة للضعفاء في دينهم ، وعناد ومحادة لله ولرسوله ، ولأهل الحق ؛ ولذلك قال تعالى : قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِها أُمَمٌ ، أي مضت من قبلها أمم . والغاية من الرسالة التي بعثت بها أن تتلو عليهم القرآن ؛ ولذا قال : لِتَتْلُوَا عَلَيْهِمُ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ اللام للتعليل ، والمعنى أرسلناك لتتلو عليهم القرآن الذي أوحيناه إليك ، والتلاوة القراء المتتابعة المتناسقة في اللفظ والمعنى ، ويصح أن تكون بمعنى الترتيل ، وقد نقل إلينا القرآن متلوا مرتلا ، فلم تثبت روايته هو بذاته فقط ، بل تواتر طريق ترتيله ، فجبريل الأمين علم النبي صلى اللّه عليه وسلم ترتيله ، كما حفظه القرآن ذاته ؛ ولذلك نزل القرآن منجما ، ليحفظه النبي صلى اللّه عليه وسلم مرتلا ؛ ولذا قال تعالى في بيان حكمة نزوله منجما : . . . كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ وَرَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا ( 32 ) [ الفرقان ] . ومع هذا الترتيل الذي تذهب به المعاني في النفس حالهم حال إنكار شديد ؛ ولذا قال تعالى : وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمنِ وقد نص على كفرهم بالرحمن ، وكان التعبير بالرحمن عن الذات العلية مع أنهما اسمان للذات العلية ، ولا تتغير الذات بكثرة أسمائها ، وإن التعبير بالرحمن لملاحظة الرحمة الشاملة ، فهم مغمورون برحمته في وجودهم وكلاءتهم ، إذ هو الذي يكلؤهم في السماوات والأرض ، ومع