محمد أبو زهرة

3950

زهرة التفاسير

أن نعمه سابقة لهم ، ورحمته لهم ، كفروا به ، والتعبير بالمضارع يفيد استمرار كفرهم وتجدده آنا بعد آن . ولقد روى أن العرب كانوا في إيمانهم الناقص بالله سبحانه وتعالى ما كانوا يعرفون إلا لفظ الجلالة ، حتى إن النبي صلى اللّه عليه وسلم ، وهو يملى شروط صلح الحديبية وابتدأه بسم الله الرحمن الرحيم ، قالوا : الرحمن هو رحمان اليمامة لا نعرفه قل باسمك اللهم ، وقد نزل فيهم : قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ أَيًّا ما تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى . . . ( 110 ) [ الإسراء ] . وقد أمر الله تعالى أن يعرفهم بالرحمن فقال تعالت كلماته : قُلْ هُوَ رَبِّي ، أي هذا الذي يكفرون هو ربى الذي خلقني ورباني وقام على شئونى ، فهو الحي القيوم القائم على كل شئ ، وهو الله . عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ ، أي عليه وحده توكلت في الدنيا ؛ لأنه هو القائم على كل نفس بما كسبت ، وتقديم الجار والمجرور على الفعل للدلالة على القصر ، أي لا أتوكل على غيره ، والتوكل لا ينافي العمل ، بل إن التوكل بين أمرين كلاهما باطل ، الأمر الأول أن يعتقد أن الأسباب وحدها هي التي تؤثر في النجاح ، وينسى قدرته المحيطة بكل شئ ، والثاني من الباطل التواكل ، وهو أن يهمل الأخذ بالأسباب ، بل يأخذ بالأسباب ، ويترك الوصول إلى النتائج لله سبحانه وتعالى فهو تعالت قدرته لا يغفل عن شئ ، والقادر على كل شئ وَإِلَيْهِ مَتابِ ، ( متاب ) مصدر ميمى لتاب بمعنى رجع وتقديم الجار والمجرور يفيد الاختصاص ، أي أن مرجعي إليه وحده ، وله الحساب وحده ، وله الثواب والعقاب وحده ، لا شريك له ، فالملك اليوم لله الواحد القهار . وإن المشركين طلبوا آيات : وَقالُوا لَوْ لا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ . . . ( 37 ) [ الأنعام ] ، وكأنهم لا يعتدون بما جاء النبي صلى اللّه عليه وسلم من معجزة القرآن ، وأنه سبحانه وتعالى تحداهم أن يأتوا ب سورة من مثله ، وبدا عجزهم ، وظهر إعجازه ، ولم يكن