محمد أبو زهرة
3936
زهرة التفاسير
قال في معنى هذه الآية : يدفعون بالحسن من الكلام ما يرد عليهم من سيئ غيرهم ، وعن الحسن البصري : إذا حرموا أعطوا ، وإذا ظلموا عفوا ، وإذا قطعوا وصلوا . وجملة هذه المعاني تتجه إلى نشر التسامح ، ومنع مبادلة السوء بالسوء حتى لا يؤدى ذلك إلى التقاطع والتدابر ، وأن يكون بأس المسلمين بينهم شديدا ، وهذا هو ما أمر اللّه تعالى به منعا للعداوة ، فقد قال تعالى : وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ ( 34 ) [ فصلت ] . هذا معنى سليم مستقيم ، ويصح أن نقول : إن معنى قوله تعالى : وَيَدْرَؤُنَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ ، أن الإكثار من الحسنات يدفع السيئات ؛ ذلك أن الحسنات طهارة للنفس ، والطهارة تزيل أخباث النفس ، كما قال تعالى : . . . إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ . . . ( 114 ) [ هود ] فإن السيئات تخط في القلب خطوطا ، والحسنات تزيلها ، أو تذهب بنكتها السوداء ، ويصح أن يراد المعنيان . ولقد أخبر عليه الصلاة والسلام أن الحسنة تمحو السيئة ، فقال صلى اللّه عليه وسلم : « وأتبع السيئة الحسنة تمحها » « 1 » . وقد بين اللّه تعالى جزاء المؤمنين الذين اتصفوا بهذه الصفات السامية المطهرة للنفوس وللجماعات ، وهي تدل على أن هذه الصفات هي سبب الجزاء العظيم ، أُولئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ وعقبى الدار ( الجنة ) ؛ ولذا بينها سبحانه وتعالى بقوله : جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبائِهِمْ وَأَزْواجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بابٍ ( 23 ) سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِما صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ ( 24 ) .
--> ( 1 ) رواه الترمذي : البر والصلة - ما جاء في معاشرة النساء ( 1910 ) ، كما أخرجه أحمد في مسند الأنصار ( 20392 ) ، والدارمي : الرقاق ( 2671 ) .