محمد أبو زهرة
3937
زهرة التفاسير
جَنَّاتُ عَدْنٍ بدل أو بيان لمعنى عقبى الدار ، أو الدار نفسها التي تكون عاقبة العاملين عملا صالحا ، والذين صبروا في الجهاد ابتغاء وجه ربهم ، و عَدْنٍ يعنى إقامة ، أي جنات يقيمون فيها إقامة دائمة وهي الفردوس ، وتكون في وسط الجنة ، وفوقها عرش الرحمن الذي يحكم في عباده بما يشاء ، وهذا تصوير بيانى رائع لبيان النعيم المقيم الذي يختص به الأبرار المجاهدون الأطهار . يدخلونها ، لا عائق يعوقهم ، ولا حائل بينهم وبينها ، ويدخلون معهم من صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم . ذكر هؤلاء الذين يكوّنون الأسرة ، والمؤمن في حنان مستمر إلى هؤلاء ، من آباء وأمهات وأبناء وأحفاد . فاللّه سبحانه وتعالى يطمئنه عليهم ، وبأن الأسرة الدنيوية تكون معه في الآخرة يأنس بها وتأنس به ، وقيد هؤلاء بأنهم الصالحون ، وغير الصالحين ليسوا منه ، وليس هو منهم كابن نوح ، إذ قال ربه : . . . إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ . . . ( 46 ) [ هود ] ، وهذا يشير إلى أن الجنة جزاء للأعمال ، لا للأنساب كما قال النبي صلى اللّه عليه وسلم لأحبابه من بني هاشم : « يا معشر بني هاشم ، لا يأتيني الناس بالأعمال وتأتوني بالأنساب ، وأن ليس للإنسان إلا ما سعى » « 1 » . وقد فهم بعض المفسرين أن أولئك ألحقوا به إكراما له ، ولكن اشتراط الصلاح يقيّد دخولهم وَمَنْ صَلَحَ ، إنما كان استقلالا لعملهم بدليل ذكر الصلاح ، ولكن ذكروا معه لبيان أنسه بأحبابه في الدنيا أولا ولاطمئنانه على من يحدب عليهم ثانيا . وبعد أن ذكر سبحانه وتعالى أنس المجاهدين الصابرين المتقين بذوي الصلات بهم في الدنيا إذا صلحوا - ذكر أنسا روحانيا كريما ، وهو إيناسهم بالملائكة الأطهار ، فقال تعالت كلماته : وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بابٍ أي يحفون بهم ، يجيئون إليهم من كل ناحية ، فهم في أنس روحي ، كما أنهم في متعة الجنة ، وهي نعيم مادي ، فِيهِما فاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ ( 68 ) [ الرحمن ] ، وفيها كل ما تشتهى النفس ، وفيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ، ولا خطر على قلب
--> ( 1 ) رواه أبو يعلى مرسلا ، ووثقه ابن حبان وغيره ، مجمع الزوائد ( 29672 ) : ج 10 / 390 .