محمد أبو زهرة
3442
زهرة التفاسير
ذلك البنيان على مشارف الصحراء ليتمكنوا من الاتصال بالرومان من غير علم أحد ، وسموا ذلك مسجدا ، وسماه التاريخ الإسلامي مسجد الضرار ؛ لأنه أنشئ للضرار ، فأخذ اسمه من مقصده . قال تعالى : وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِداً ضِراراً وَكُفْراً وَتَفْرِيقاً بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصاداً لِمَنْ حارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ في قراءة أهل مكة يثبتون الواو عطفا على أخبار المنافقين ، ومن غير واو في مصحف المدينة والشام « 1 » ، ويكون عطف بيان للمنافقين أيضا ، وقوله تعالى : اتَّخَذُوا مَسْجِداً ، أي أنشئوه ، واتخذوا مسجدا ، أي أن انتحلوه مسجدا باتخاذهم لا أنه مسجد في حقيقته وذاته ، بل باتخاذهم ، وانتحالهم ، وقد ذكر اللّه تعالى أن غرضهم من إنشائه الذي بعثهم هواهم عليه أمور أربعة - هي ما بنى لأجله : أولها - أنه ضرار وهو مصدر ضارّ ، فهم يبنونه مضارة للمؤمنين ، ومكايدة للذين بنوا مسجد قباء للّه وللصلاة فيه ، وقد صلى فيه النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم ، فبنوه قريبا منه ليضار أولئك الذين بنوا الأوّل ، وليكايدوهم ، وقوله تعالى : وَكُفْراً أي دفعهم إلى بنائه الكفر لا الإيمان ، فهم لا يصلون ، ولكن ينافقون ، وهم كانوا كفارا ، ومن أعظم البواعث هو تفريق المؤمنين ، ولذا قال تعالى في الباعث : وَتَفْرِيقاً بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وإن ذلك التفريق هو إبعاد فريق من المؤمنين عن الجماعة التي يؤمها النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم ، يغرونهم بالتأثير فيهم رجاء أن يقتطعوا من المؤمنين من يضمونهم إليهم ، إذ بعدوا عن النور الكاشف لخداعهم ، وإفسادهم ، فيخلو لهم الجو ليخادعوهم ، وينجح خدعهم ، وَإِرْصاداً لِمَنْ حارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يقال رصد ، وأرصد : راقب ، ورصد تكون للخير والشر ، وأرصد لا تكون إلا للشر ، وقد اتخذ هذا المسجد ليكون موضع ترقب للمنافقين يتصلون منه بأعداء اللّه تعالى ،
--> ( 1 ) ( الذين اتخذوا ) بغير واو ، قراءة : نافع وأبو جعفر ، وعاصم وحمزة والكسائي وخلف ، وهذا الحرف في مصاحف المدينة بلا واو ، وقرأ الباقون بإثبات الواو ، وكذلك هي في بقية المصاحف . المقنع 104 ، والسبعة 318 ، والنشر 2 / 281 . غاية الاختصار ( 970 ) .