محمد أبو زهرة
3443
زهرة التفاسير
وقالوا إن ذلك يشير إلى أبى عامر الراهب ، وهو رجل خزرجى من الخزرج ، كان قد تنصر في الجاهلية ، وقرأ ما عند أهل الكتاب من بقايا كتبهم ، وكانت له عبادة في الجاهلية ، وكبير في الخزرج ، فلما قدم رسول اللّه صلى اللّه تعالى عليه وسلم مهاجرا إلى المدينة وكوّن فيها قوة الإسلام الأولى ، وأظهر اللّه المؤمنين في غزوة بدر الكبرى شرق أبو عامر هذا بذلك النصر المبين الذي كان فاتحة السيطرة على بلاد العرب ، فأرسل إلى قريش يمالئهم ويحرضهم على غزو المدينة والأخذ بثأرهم ، فقدموا في السنة الثالثة ، وكانت واقعة أحد ، فخبّ أبو عامر هذا فيها ووضع ، وتقدم إلى المبارزة ليحرض الأنصار ، وخاصة قومه الخزرج ودعاهم إلى نصرته ، فردوه ردا منكرا ، فعاد مذءوما مدحورا . ولقد ابتدأ بما يظهر منه ميله للإسلام ، ولكنه لم يعم ، فدعا عليه النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم بأن يموت بعيدا طريدا ، فكان كذلك ومات طريدا وذلك أنه لما فرغ الناس من أمر أحد ، وقد رأى أمر الرسول في علو ، وكانت عاقبة أحد للمؤمنين ، وإن كان قد أصابهم قرح في أثنائها ، وصار الأمر من بعدها في ارتفاع للمؤمنين وظهور ، ذهب إلى هرقل ملك الروم يحرضه على النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم ، وأقام عنده وكتب إلى جماعة من أهل النفاق والريب يعدهم ويمنيهم أنه قادم بجيش يقاتل النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم ومن معه من المؤمنين ، وأمرهم أن يتخذوا له معقلا يقدم عليهم فيه رسله بكتبه ، ويكون مرصدا له إذا قدم عليهم ، فشرعوا في بناء مسجد قريب من مسجد قباء ، وأحكموه وفرغوا منه قبل خروج رسول اللّه صلى اللّه تعالى عليه وسلم إلى تبوك ، وجاءوا إليه صلى اللّه عليه وسلم أن يأتي إليهم فيصلى في مسجدهم ، لتكون صلاته حجة لهم في تقريره ، وليتموا خداعهم للمؤمنين ، وليخفوا مقصدهم من إنشائه ، وهو أن يكون إرصادا لمن حارب اللّه ورسوله ، فقال لهم النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم : « إنا على سفر ، ولكن إذا رجعنا إن شاء اللّه تعالى » ، فلما قفل راجعا من تبوك إلى المدينة ، ولم يبق بينه