محمد أبو زهرة
3364
زهرة التفاسير
وإن المنافقين قد ينفقون في حالين : إحداهما أن يستروا نفاقهم ، كما كان المعتذرون المتخلفون عن الجهاد يعتذرون عن الخروج ، ويقولون هذه أموالنا خذوا منها ما شئتم . والحال الرابعة - أن ينفقوا في الشر لتأييد الفاسدين ، وقد نسوا رقابة اللّه ، فنسيهم أي فتركهم يرتعون ويعبثون حتى يوم الحساب . ولقد قال تعالى حاكما عليهم : إِنَّ الْمُنافِقِينَ هُمُ الْفاسِقُونَ الفسق هو الخروج والتمرد على الحقائق ، وهو هنا أشد من الكفر ، فهم كافرون بنفاقهم إذ يسترون الكفر ، ويظهرون الإسلام ، وبهذه المساوئ التي أشار إليها الكتاب العزيز ، فيتمردون على اللّه ، ويعاندونه ، ويحادونه إذ يحادون الحق . وقد قال الزمخشري : إن فسقهم هو الفسق الكامل ، ونقول إن اللّه تعالى أكد فسقهم ، بالجملة الاسمية ، وب إِنَّ ، وقصرهم على الفسق بتعريف الطرفين ، وبضمير الفصل هُمُ ، أي أنهم مقصورون على الفسق لا يخرجون من دائرته فهو محيط بهم ، إحاطة الدائرة بقطرها . وقد ذكر اللّه تعالى عذابهم ، فقال تعالى في كتابه العزيز : وَعَدَ اللَّهُ الْمُنافِقِينَ وَالْمُنافِقاتِ وَالْكُفَّارَ نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذابٌ مُقِيمٌ ( 68 ) . هذا وعيد اللّه تعالى للمنافقين والمنافقات ، ويلاحظ هنا أنه أظهر في موضع الإضمار ، فذكرهم بأوصافهم للدلالة على أن النفاق هو السبب في هذا العقاب الشديد ، ونص على النساء المنافقات ؛ لأنهن يكوّنّ الأسرة التي يعشش فيها ، ويشتركن في إيجاد البيئة المنافقة التي يسودها الفساد ويحكمها الشر ، وقد ذكر الكفار بعد المنافقين ، وهم والمنافقون داخلون في الكفر ؛ لأنهم كفار يزيدون النفاق ، ولذا قدموا لأنهم أوغلوا في الكفر ، والكافر الضال مظنة التوبة كما تاب الطلقاء وأبناء الطلقاء ، وأما المنافق فإنه ملتوى النفس ملتوى الفكر ، وقد يكون