محمد أبو زهرة

3424

زهرة التفاسير

ويقول سبحانه : عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ أي أنه ينزل عليهم نكبة السوء ، وهنا في ( السوء ) قراءتان ، إحداهما بضم السين « 1 » ، وهي المصدر بمعنى ما يسوءهم ، فالدائرة نازلة ومقبلة ، ولكنها ليست على المؤمنين بل على المنافقين من الأعراب ، ولذلك هزمهم الصديق وخضد شوكتهم ، وتقرأ السين في القراءة الثانية بالفتح « 2 » ، والسوء : الضرر والفساد وكل قراءة من القراءتين قرآن متواتر . وبجمعها يكون المعنى أنه يصيبهم نكبة تفجعهم وتسوؤهم ، وعاقبته مضرة شديدة عليهم أن يشرد جمعهم ويتفرق أمرهم وتسبى نساؤهم ثم يعتقن ، وأن يقتل رجالهم وينهزموا . ثم ختم اللّه تعالى الآية ببيان أن ما ينوون وما يتربصونه يعلمه اللّه تعالى ويدبر الأمور على غير ما يريدون ، بل على ما يريد الحق جل جلاله ، ولذا قال تعالى : وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ صدر الجملة السامية بلفظ الجلالة ، لتربية المهابة في نفوس القارئين والمستمعين ، وملء القلوب برقابة اللّه تعالى ؛ لأنه سَمِيعٌ يسمع ما تحدث به النفوس ، وما تهمس به الأفئدة عَلِيمٌ بكل شئ ، يدبر الأمر على مقتضى علمه ، وقد أحاط بكل شئ علما . وأن اللّه يعلمنا الإنصاف في الأقوال والأفعال ، وللّه المثل الأعلى ، فيذكر تعالت كلماته بجوار المنافقين من الأعراب الأبرار فيقول عزّ من قائل : وَمِنَ الْأَعْرابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ قُرُباتٍ عِنْدَ اللَّهِ وَصَلَواتِ الرَّسُولِ أَلا إِنَّها قُرْبَةٌ لَهُمْ سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 99 ) . هذا هو الصنف من الأعراب الذي أخلص للّه تعالى ، وسلمت قلوبهم من النفاق ، وآمنوا باللّه وأقاموا الصلاة ، وقد ابتدأ سبحانه وتعالى بالإيمان باللّه تعالى ،

--> ( 1 ) قراءة ( السوء ) بضم السين والمد ، قراءة ابن كثير وأبو عمر ، وقرأ الباقون ( السّوء ) . غاية الاختصار ( 964 ) . ( 2 ) السابق .