محمد أبو زهرة
3423
زهرة التفاسير
الأرض العربية منها - جيّش الجيوش إلى كسرى وقيصر ، وكان أكثرهم من أهل الأعراب الذين ارتدوا فوجه قوتهم إلى الأعداء . بعد أن بين سبحانه أخلاق الأعراب أخذ الحكم العدل اللطيف الخبير يبين أهل الشر منهم ، وأهل الخير فقال تعالى : وَمِنَ الْأَعْرابِ مَنْ يَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ مَغْرَماً وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوائِرَ عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ( 98 ) . إن الأعراب الذين هم أشد كفرا ونفاقا يرون المسلمين لهم القوة والسيطرة فما يدفعونه من زكاة يقدمونها على أنها مغرم أي مال وجب عليهم أداؤه ، ولأنهم لا يؤمنون باللّه ورسوله ولا اليوم الآخر يعدونه مغرما - والمغرم : الغرم أو الغرامة ، والغرامة هي المال الذي يدفع في غير مقابل ، ولأنهم لا يؤمنون ولا يرجون خيرا في عطائهم ، وأصل الغرام الشئ الملازم ، وأطلق على المدين الغارم ، لأنه ملازم دائما من الدائن ولذا قال تعالى : . . . إِنَّ عَذابَها كانَ غَراماً ( 65 ) [ الفرقان ] . فهؤلاء الأعراب لا علاقة لهم بالمجتمع ، ولا يؤمنون باللّه ولا باليوم الآخر ، يعدون ما ينفق من زكاة مفروضة غرامة ، وينتظرون أن ينخلعوا من هذا المال المفروض عليهم ، ولا يؤمنون بوجوبه عليهم ؛ لأنهم لا دين لهم وقال : وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوائِرَ أي ينتظر ذلك الفريق من الأعراب أن تنزل بكم النكبات ، « والدوائر » وهي جمع دائرة ، والدائرة النائبة وهي في أصلها مصدر كالعافية ، وقد تكون اسم فاعل من دار يدور ، أي نكبة دائرة ، وتتعاقب على الناس ، أي أن أولئك المنافقين غير المؤمنين من الأعراب ينتظرون أن تنال المؤمنين دائرة تذهب بقوتهم ، فيتحللون من تلك النفقات المفروضة ، وقد انتظروا حتى توفى الرسول صلى اللّه عليه وسلم فحسبوها فرصة فارتدوا ، ثم لما زادت الشدة من أهل الإيمان عليهم رضوا بالصلاة ، وامتنعوا عن الزكاة ، حتى دفعوها صاغرين بسيف اللّه الذي رفعه الصديق رضى اللّه تعالى عنه .