محمد أبو زهرة
3422
زهرة التفاسير
وأشد أحواله فهو كفر يلتقى فيه الجحود ، وعدم التفاهم ، والجهل الشديد ، والغلظة الجافية . ونفاقهم ليس كنفاق أهل المدينة ، ولكن نفاقهم يكون بعدم الإيمان المطلق مع التسليم الظاهر ، وعدم الإلف ، وهم كما قال اللّه تعالى : قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ . . . ( 14 ) [ الحجرات ] . والوصف الثالث هو قوله تعالى : وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ إنهم بإقامتهم في البادية كانوا جديرين وخلقاء ألا يعلموا حدود ما أنزل اللّه على رسوله بألا يعرفوا أحكام الشريعة والفرائض ، وتوابعها وأحكام الجرائم ، وعقوباتها ، والمحرمات من النساء والأنكحة والمواريث ، وغير ذلك من أحكام الشريعة التفصيلية . وَأَجْدَرُ أفعل تفضيل على غير بابه ، إذ إن المفضل عليه غير موجود ، والمعنى أنهم لبعدهم عن المدائن والقرى حيث العلم والفقه - صاروا في أغلب الأحوال جديرين بالبعد عن العلم بحدود اللّه تعالى . وفي مذهب مالك لا تقبل شهادة البدوي على الحضري ، ولا تجوز إمامته له ، وذكر هذا القرطبي في تفسيره وهو مالكي ، ونقول إنه غريب عن مالك إمام دار الهجرة رضى اللّه عنه ، وإن المؤمنين عدول فيما بينهم ، والإمامة للأعلم فالأقرأ ، وقد يكون فيهم أعلم وأقرأ ، ووصف مجموعهم لا يقتضى وصف كل واحد منهم . ثم ختم اللّه تعالى الآية بقوله تعالى : وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ أي يعلم اللّه تعالى أحوال الجماعات ونفوسهم مؤمنهم وكافرهم قويهم وضعيفهم ، وهو المتصف بالعلم الكامل ، وحكيم يدبر الوجود بمقتضى الحكمة . فإذا كان الجهل في البادية لبعدها عن العمران ففيها البأس والقوة ، والصبر على مصاعب الحياة وشدائدها ، ولذلك لما قضى الصديق على الردة ، وأخلى