محمد أبو زهرة
3421
زهرة التفاسير
الأمر الثاني : أنه عندما قويت دولة الإيمان عليهم ، وهزموا هزيمة منكرة ، رضوا بالصلاة دون الزكاة لأنهم اتخذوها مغرما ، ولم يتخذوها قربات عند اللّه وتعاونا بين المؤمنين ، وهو تعاون على البر والتقوى ، ولذا لم يقبل خليفة رسول اللّه إلا الإسلام الكامل ، والطاعة ، وقالها مؤمنا : إما حرب مجلية ، وإما سلم مخزية . ولقد تربص أولئك الأعراب الدوائر بالمؤمنين فانتهزوا فرصة وفاة النبي صلى اللّه عليه وسلم وارتدوا فدارت عليهم دائرة السوء . وإن ذلك كله دلائل على أن القرآن من عند اللّه تعالى العزيز الحكيم . الأعراب هم سكان البوادي في خلقهم جفوة ، وفي طبائعهم خشونة ، وفيهم نفرة لا يأنسون بالناس ولا يأنس بهم الناس ، وإن كان فيهم يقظة وسرعة حركة ونجدة ، وهم لذلك أقل الناس علما وفكرا ، وروى عن ابن عباس رضى اللّه تعالى عنهما أنه قال : « من سكن البادية جفا ، ومن اتبع الصيد غفل ، ومن أتى السلطان افتتن » . ولقد قال ابن كثير في تفسيره : ولما كانت الغلظة في أهل البوادي لم يبعث اللّه منهم رسولا ، وإنما كانت البعثة من أهل القرى ، كما قال تعالى : وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرى . . . ( 109 ) [ يوسف ] ، والقرى : المدن العظيمة ، وخير القرى ما يكون قريبا من البادية أو في وسطها كمكة والمدينة . . . فهي تجمع بين قوة نفس البدوي وأنس الحضري ، وكذلك كان يبعث النبيون فموسى بعث بمدين ، وعيسى بعث على مقربة من البادية ، ومحمد بعث بمكة عليهم الصلاة والسلام ، وقد وصف اللّه تعالى الأعراب بثلاثة أوصاف : أولها : أنهم أشد كفرا ، وثانيها : أنهم أشد نفاقا ، وأفعل التفضيل ليس على بابه ؛ لأنه لم يذكر الفضل عليه ، وحيث لم يذكر الفضل عليه يكون المعنى أنه كفر بلغ أقصاه