محمد أبو زهرة
3417
زهرة التفاسير
وهذا الكلام السامي يفيد أمورا ثلاثة : أولها - أنه لا يصح أن تشغلوا أنفسكم بما استدبرتم من أمور ، بل اشغلوها بما تستقبلون من أموركم ، وثانيها - التهديد بأن اللّه تعالى ورسوله يعلمان أموركم في المستقبل علما مؤكدا لا مناص من أن تتخلصوا من تبعاته ، وإن اللّه تعالى سيحبط أعمالكم ، وثالثها - رجاء أن يدخل الخير قلوبكم ، فتتوبوا عما أنتم عليه ، ويصلح بالكم ، فلا تعتذروا عن التخلف كاذبين . وينذرهم اللّه سبحانه وتعالى الإنذار الشديد فيقول سبحانه : ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلى عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ ( ثم ) للترتيب والتراخي ، والتراخي هنا في موضعه ؛ لأن فيه الانتقال من الدار الفانية إلى الدار الباقية ، فيه الانتقال من دار العمل إلى دار الجزاء ، وقوله تعالى : تُرَدُّونَ تفيد أمرين : أحدهما - أنهم يذهبون إلى هذه الدار غير مختارين ، بل يردون إليها مدفوعين ، ثانيهما - في التعبير بلفظ ما يفيد معنى الرجوع إليها بعد هذه الحياة ، وكأنهم في الدنيا في سفر يعود بعدها المسافر إلى حيث إقامته وموطنه ، فالإنسان ما خلق عبثا ، إنما خلق لأجل البقاء في الآخرة ، فهي وطنه الأصلي إما نعيما مقيما ، وإما عذابا أليما . والمرد في الآخرة إلى اللّه تعالى حيث يلقاه العباد ويلقاهم بأعمالهم التي لا تخفى عليه منها خافية ، فلا نفاق ولا كذب ولا مراءاة ، ولذا قال تعالى : ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلى عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ الغيب هو المغيب أو المستور ، وعالم الشهادة هو العالم الظاهر ، فهو يعلم السر والجهر ويعلم الحاضر والغائب ، يعلم ما كان وما يكون . فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ و ( الفاء ) هنا للترتيب والتعقيب ؛ إذ إن الإنباء يكون عقب الرجوع إلى اللّه تعالى ، وذلك دليل على تأكد وقوع ما وعد به وتحققه وأنه لا مفر من قيام القيامة ، ونزول ما وعد اللّه تعالى به . والإنباء في هذا الحال ، ليس بالأقوال ، ولكن بالرؤية والأفعال فهو مجاز ، يرون أعمالهم ، تنطق أيديهم وأرجلهم بما كانوا يفعلون ، وتشهد عليهم ألسنتهم