محمد أبو زهرة

3418

زهرة التفاسير

وجوارحهم وأفعالهم ، فالإنباء فيه وعد ووعيد ، فيه أن يعلم الناس ما فعلوا ويروا جزاء ما فعلوا حاضرا مهيا يستقبلهم ويستقبلونه . ابتدأ المنافقون بالاعتذار ليصدق النبي صلى اللّه عليه وسلم ومن معه من المؤمنين معاذيرهم ؛ لأنهم رأوهم جاءوا سالمين ، وسولت لهم نفوسهم أنهم سيجيئون مقهورين مكبلين في الأصفاد وزين ذلك في قلوبهم ، فلما جاءوا بالظفر والقوة ابتدءوا فاعتذروا فلم يقبل لهم عذر ، فنزلوا عن بعض ما رغبوا إلى أن يعرضوا عنهم ، وينسوا ذلك الأمر الذي وقع ليستقبلوا معاملة جديدة كما يجرى في وهمهم ، وكما يريدون أن يوهموا به المؤمنين ، وحكى اللّه تعالى عنهم بقوله تعالت كلماته : سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ ( 95 ) ( السين ) لتحقق الفعل في المستقبل ، و انْقَلَبْتُمْ معناها رجعتم ، وعبر عن الرجوع بالانقلاب ؛ لأن المجاهد سائر في طريقه إلى الأمام فإذا أراد العودة انقلب من السير إلى الأمام إلى العودة إلى الوراء ، والتعبير بالانقلاب يفيد العودة مختارا غير مقهور ولا مهزوم ولا متراجع . وحلفهم ليس للاعتذار ، بل هو لطلب السكوت عنهم ، ولذا قال تعالى : لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ أي تسكتوا عنهم فلا تلوموهم ولا تعيروهم ولا تذكروهم بما رضوا به من قبل من القعود مع الخوالف ، وقولهم ذرنا نكن مع القاعدين . طلبوا أن يسكتوا عنهم فأمر اللّه تعالى المؤمنين بأن يستجيبوا لهم لا إرضاء لنفوسهم ، ولكن لأنه لا جدوى في لومهم ، ولأن اللّه تعالى يريد أن يسكتوا عنهم حتى لا يكثر قول النفاق منهم ، ولذا قال : فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ . . . فأعرضوا عنهم ، فلا تلوموهم ، ولا توبخوهم لأنهم رجس ، أي أنجاس قذرهم لا يطهره لوم ولا عتاب ، كالشىء الذي يكون نجس العين مثل الخنزير ، لا يطهره الماء ، بل الماء ينجس به ، وكثرة القول معهم في أنجاسهم يشيع قول السوء في الذين آمنوا .