محمد أبو زهرة

3919

زهرة التفاسير

وإن كل شئ يسجد للّه تعالى حتى الظلال بالغدو والآصال ، فهي أيضا تسجد خاضعة للّه تعالى منقادة له سبحانه ، وذكرت مع أنها تابعة لأشخاصها ، وذلك للإشارة إلى أن أولئك المشركين خاضعون منقادون حتى ظلالهم التي تلازمهم ، ويقال : فلان ألزم لفلان من ظله ، فالوجود كله تابع ومتبوع ، ملازم وغير ملازم ، خاضع للّه تعالى ، والغدو جمع غداة ، كالقنوّ جمع قناة ، والغدو مصدر . ويصح أن نقول : إن ذكر الغدو والآصال توجيه النظر إلى مظهرها في طول الظل وقصره ، بين الغدو في الصباح . والآصال ، وهي جمع أصيل ، وكيف أنه في الصباح غير مرتفع ، ثم يرتفع شيئا فشيئا حتى يكون عموديا على الأرض في وقت الزوال ، ثم ينحدر من بعد الزوال إلى الغروب ، فيعود منخفضا نحو الأرض ، وتصفرّ الشمس ، وإن من وراء ذلك التغيير المستمر الدائم اتصال الشمس بالأرض ، ووجود الحرارة في ارتفاعها فيكون الدفء ، وفي انخفاضها فيكون البرد ، ثم ما يكون للظلال من أثر ، فتنبت الزرع وتنميه ، حتى يستغلظ سوقه ، ويعجب الزراع وهكذا ، وذكر الوقتين وهما الغدو والآصال ؛ لأنهما الوقتان اللذان يختلف فيهما الطول والعرض ؛ ولأن الغدوة تشرق فيها الشمس على الوجود فتمده بكل أسباب القوة والنماء للأحياء ؛ ولأن الأصيل هو الوقت الذي تؤذن فيه الشمس بزوال ، واللّه على كل شئ قدير . وننبه هنا إلى أمرين : الأمر الأول : أن كلمتي ( طوعا وكرها ) تدل على عموم السجود في حالي الطوع والاختيار والكره والاضطرار ، وهذا دليل على كمال السلطان للّه تعالى . الأمر الثاني : أن بعض المفسرين قال : إن المراد من السجود سجود الصلاة ، ومعنى الطوع الملائكة والدخول في الإسلام طوعا ، ومعنى كرها : الدخول في الإسلام بعد الحرب نفاقا أو ضعفا ، ولكن ذلك ليس بظاهر السياق . أولا لعموم من السماوات والأرض ، والمناسب لذلك أن يكون الخضوع للوجود كله .