محمد أبو زهرة
3918
زهرة التفاسير
لا حقيقة لها في شئ ولا وجود لها إلا أن تكون أحجارا صنعوا وابتدعوا لها قوة أرادوها ، وما يستطيعون تغيير حقيقتها بأوهامهم . ولقد بين سبحانه بعد ذلك أن الوجود - كله عقلاء وغير عقلاء - خاضعون له طوعا وكرها ، فقال تعالى : وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَظِلالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ ( 15 ) . بعد أن بين سبحانه وتعالى بطلان الشرك ، وضرب الأمثال على ذلك ، وهي أمثال على عظمة البيان القرآني الذي لا يسامى ، ولا يناهد ، أخذ يبين سبحانه وتعالى خضوع الوجود كله له سبحانه ، والانقياد له سبحانه ، فقال تعالت كلماته : وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً ، والمراد من السجود في ظاهر القرآن ، وكما قرر أكثر العلماء الخضوع ، وتسخير اللّه سبحانه وتعالى له ، وبذلك يكون المعنى خضوع الموجودات كلها لإرادته سبحانه وتعالى ، فالرياح تسير بأمره ، والكواكب والنجوم مسخرات بأمره . وإذا كان المراد من السجود لازمه ، وهو الانقياد يكون التعبير من قبيل المجاز المرسل حيث أطلق السجود وأراد لازمه . وإذا كان المراد الخضوع والانقياد فإن فيهم العقلاء وغير العقلاء ، وقد نصّ على الظلال بالغدو والآصال ، ولا تعد من العقلاء التي تخاطب ، فلما ذا عبر ب ( من ) التي تدل على العقلاء ؟ ونقول : إن ذلك من قبيل تغليب العقلاء على غيرهم ، كما يعبر بجمع المذكر السالم على الذكور والإناث تغليبا للذكور العقلاء على غيرهم ، وقد تطلق ( من ) على العموم ، ولو لم يكن في مضمونها عاقل وغير عاقل . وذلك كما في قوله تعالى : وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ ماءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللَّهُ ما يَشاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( 45 ) [ النور ] .